2015/12/20
السؤال:
سيّدي حضرة الشيخ الدكتور (سعد الله أحمد البرزنجي)
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، سيّدي الحبيب أرجو من الله العظيم المتعال أنْ تكونوا بأحسن حال ويرزقكم راحة البال وحسن المآل وجزاكم الله تعالى خير الجزاء عن أمة سيّد الانبياء عليه ألف صلاة وسلام وآله وصحبه الكرام سيّدي:
في ظل الظروف العصيبة التي يمر بها بلدنا الحبيب من انفلات أمني وسطوة الجماعات المسلحة الشريرة التي تعيث في الارض فسادا, هناك الكثير من هذه العصابات تفرض على التجار وأصحاب رؤوس الأموال وحتى أصحاب المحلات التجارية ما يعرف بالـ (أتاوات) وهي مبالغ مالية تدفع لهم بصورة دورية شهرية أو سنوية وألا سيكون مصير من يمتنع القتل أو الخطف أو التفجير أو تلفيق التهم الباطلة والإلقاء في السجون لهذا الشخص أو لأحد أفراد عائلته حيث أنّ أغلب هذه الجماعات مع الأسف متنفذة في الدولة.
سيّدي سؤالي هو: ما هو موقف الشرع الشريف من المسلم الذي يتعرض للابتزاز بهذه الطريقة؟ وهل يجوز له الاستجابة لهم والدفع؟ وآسف جدا على الإطالة والسلام عليكم وحمة الله وبركاته.
الاسم: محمد حامد
الرد:
وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.
أسأل الله جلّ وعلا لك بمثل ما دعوت لي وزيادة، وأنْ يمنّ عليك وعلى جميع المسلمين بالأمن والأمان، ويجنبهم الظلم والظالمين، ويهيئ لهذه الأمّة مَنْ يحفظ لهم دينهم وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم إنّه سميع الدعاء والقادر على رفع مثل هذا البلاء.
إنّ ممّا تعارف عليه علماء الأمة أنْ يقدموا الضروريات على غيرها من الكماليات والتحسينيات، وإنّ للضروريات مراتب فأعلاها هو الدين ثمّ العرض ثمّ النفس ثمّ العقل ثمّ المال فالإنسان يجود بنفسه لأجل الدين ولأجل العرض ولكنّه لو اضطر لشرب الخمر الذي يذهب بالعقول لأجل المحافظة على نفسه جاز له شرب الخمر بقدر ما يدفع عن نفسه الموت، وكذلك لو خيّروه بين نفسه أو دفع مبلغ من المال قدم المال للحفاظ على النفس، وهكذا…
فلو أنّ المسلم اضطرته ظروفه وبات مقتنعاً أنّه إنْ لم يدفع المال لمثل من ذكرت حاربوه في بقية رزقه وربما وصل الأمر لقتله جاز له من باب الاضطرار أنْ يدفع المال لهم وفق الضوابط الآتية:-
1- أنْ تكون قناعاته صحيحة ومطابقة للواقع وليس مجرد احتمالات، أي إنّه قد وصل الأمر عنده إلى حد التأكيد إنّه إنْ لم يدفع المال قتلوه.
2- أنْ لا يوجد غير هذا المكان يسترزق منه، فإنْ وجد مكاناً أكثرَ أمناً لم يجز له البقاء في هذا المكان، بل وجبت عليه مغادرته، قال تعالى:-
{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء : 97 – 99].
3- أنْ لا يكون عوناً للظالمين، وعنصراً من الداعمين لهم قدر إمكانه قال سبحانه:-
{وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [هود عليه السلام : 113].
4- أنْ يدفع ذلك المال بقلب كاره، وهو أضعف مراتب تغيير المنكر، لقوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ) الإمام مسلم رحمه الله المنعم جلّ في علاه.
5- أنْ يكثر من شكر الله سبحانه إذ جعل في الدين فسحة ومخرجا، ويلزم الاستغفار مخافة أنْ يكون ممّن يدعم الظالمين.
وأسأل الله جلّ جلاله وعمّ نواله أنْ يمنّ على المسلمين بمعرفة أمور دينهم ودنياهم، وتنتشر بينهم ثقافة تقوى الله عزّ وجلّ وكيفية استحصال الأموال من الطرق المشروعة فقط، وأنهم مسؤولون أمام الله تعالى في طريقة كسبه وفي طريقة إنفاقه قال صلَّى اللهُ تعالى عليهِ وآله وصحبه وسلَّمَ:-
(لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاه
ُ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ شأنه.
كما أسأله تعالى أنْ يصرف عنا الظالمين، ويرزقنا الخير والفضل واليقين بجاه سيّدنا محمد عليه أتمّ السلام وأفضل الصلاة سيّدنا وسيّد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
والله تبارك اسمه أعلم وأحكم.