2016/01/11

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته شيخي واستاذي العزيز. شاهدت فيديو للدكتور د. رافي زكارياس وهو كما تعلمون داعية مسيحي. يقول عن الكافر, إنّ مشكلة الإيمان بوجود الإله هي مشكلة أخلاقية. والله عزّ وجلّ يقول {وَلَوْ أَنَّنَا نَـزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} فما هي مشكلة الكافر؟ هل هي مشكلة إقناع أم مشكلة أخلاقية فعلا؟

الاسم: محمد عبدالرزاق

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

تتنوع الأسباب التي تمنع الكفار مِنَ اتباع الإسلام وقد ذكرها القرآن الكريم, ومنها:

الأول: الجهل، وهو هنا عدم معرفة الإسلام، قال سبحانه:-

{وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ} [التوبة/6].

الثاني: الحسد، وهو تمنِّي زوال النعمة عن الغير، فهو مِنْ أسباب كُفر اليهود لأنهم حسدوا العرب على النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، وعلى القرآن العظيم، قال ربّنا جلّ وعلا:-

{وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة/ 109].

الثالث: الخوف مِنْ زوال مصلحة دُنيوية كالملك أو المال أو الجاه، قال عزّ شأنه:-

{إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَة —} [التغابن/15].

الرابع: الكِبْر، وهو احتقار الناس والتعالي عليهم، فهو السبب الذي منع إبليس من الإسلام، قال جلّ جلاله وعمّ نواله:-

{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [ البقرة/34]. الخامس: اتباع الهوى، وهو شهوة النفس، قال جلّ ذكره:-

{يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [ص/ 26].

السادس: التعصّب بما كان عليه الآباء والأجداد، قال تعالى:-

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} [البقرة/170].

والملاحظ ممّا ذكر أنَّ هذه الأمراض والموانع  تنبع مِنْ عيني الشبهات والشهوات وبما أنَّ الإيمان متأصل بالفطرة, كما قال ربُّنا تباركَ اسمه:-

{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} [الأعراف/ 172 ، 173].

وقال سيّدُنا رسولُ اللهِ صلّى اللهُ تعالى وسلّم عليهِ وآلهِ وصحبهِ ومَنْ والاه:-

(كلُّ مولودٍ يولدُ على الفطرةِ ، فأبواهُ يُهوّدانهِ أو يُنصّرانهِ أو يُمجّسانهِ) مُتفقٌ عليهِ.

فمِنْ أجل هذا بعث الله عزّ وجلّ الأنبياء عليهم السلام وأنزل الكتب ليثير عن هذه الفطرة غبار المؤثرات الداخلية والخارجية لكي لا تبقى لأحد حجة, قال ربُّنا تقدَّس وعلا:-

{— رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء/165].

فإنْ كانَ هناكَ مَن لم تصِلهُ الرّسالةُ بشكلٍ صحيحٍ لظرفٍ ما كأنْ يعيشَ في مجاهلِ العالمِ وغاباتهِ فأرجو أنْ يكونَ ممّن قالَ اللهُ جلّ جلاله فيهم:-

{— وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء/ 15].

والّذين ذُكروا في الآيةِ الكريمةِ الّتي استشهد
تَ بها في سؤالكَ همُ المُعاندونَ رغمَ وضوحِ كلّ صُورِ الإقناعِ وقوّةِ الحُجَجِ حتّى جاءَ هذا التّشبيهُ الرّبّانيُّ لوصفِ حالِهم وبُعدِهِم عن جنابِ الإيمانِ، ولا شكَّ أنَّ هؤلاءِ سَقَطوا عن حافةِّ الأخلاقِ، فمِن صِفاتِ أهلِ الخُلُقِ: الإنصافُ، وعدمِ الظُّلم، في حين وصَفَهُم الخالقُ جلَّ وعلا بأعظمِ الظّلم فقال سبحانه:-

{— إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان عليه السلام/ 13].

وأرجو مراجعةَ أجوبةِ السُّؤالينِ المرقّمينِ (665، 2141) في هذا الموقعِ المُباركِ.

وبهذا يتبين أنَّ الكفرُ مشكلةٌ أخلاقيةٌ آلا أو حالا, إذا وصلت الرسالةُ وأقيمت الحجة بشكلٍ صحيحٍ ومقنع، وذكرَ اللهُ جلّ وعلا ذلكَ في قولهِ سبحانه:-

{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل/ 14].

فوصف الحقائق بألفاظ مختلفة لا تأثير له على جواهرها، فالكفر كفرٌ – عياذا بالله تعالى – سواء كان سببه خُلُقيا أو غير ذلك.

والعاقل مَن استثمر طاقات الفكر في روحه، واستند على مُسلمّات العقل في مخّه، وسار منسجما مع هدايات فطرته إلى ربّه سبحانه.

وصلّى اللهُ تعالى على نبيّهِ المُعظّم وعلى آلهِ وصحبهِ وسلّم.

والله تقدسّت ذاته أعلم وأحكم.