2015/01/18
السؤال:
السلام عليكم سيّدي ورحمة الله تعالى وبركاته، أدامكم الله تعالى وأيدكم وَبَارك في موقعكم الطيب والمفيد // سيّدي كنت أتابع برنامجا تلفزيونيا وإذا به يتهجم على كتاب صحيح البخاري رحمه الله تعالى وخاصة حديث (مَنْ بدّل دينه فاقتلوه) ويقول: إنّ سند هذا الحديث غير صحيح ولا يصح أنْ يكون هذا الكلام حديثاً، وأيضاً حديث (لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيّب الزاني —) إلى آخر الحديث وقال: إنّ هذا ما دعى الناس إلى القتل // فما صحة قوله؟ وهل فعلا الأحاديث هذه غير صحيحة وهي موجودة في أصح الكتب؟ وأعتذر عن الإطالة، وجزاكم الله تعالى كلّ خير.
الاسم: سامي البياتي
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، وجزاك كلّ خير على طيب دعواتك التي أرجو أنْ يكون لكلّ مَنْ يتصفّح هذا الموقع المبارك نصيبٌ منها.
في البداية يجب أنْ أبيّن أهمية تمييز علوم القرآن الكريم كالتفسير وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ وكذلك علوم الحديث الشريف كعلم الجرح والتعديل وأنواع الحديث من صحيح وحسن وغريب وغيرها بين كلّ هذا من جهة، وبين علوم استنباط مصادر التشريع كالفقه وأصوله من جهة ثانية.
والخلط بينهما ينتج تصدي كلّ مَنْ قرأ حديثاً أو حفظ آية ليفتي الناس ويبدي رأيه غير مستند على أساس علمي، وينسى قول الله عزّ وجلّ {— وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ —} [النساء: 83].
وكتاب صحيح البخاري رحمه الله تعالى يُعدّ من أصحّ الكتب بعد كتاب الله جلّ في علاه للمعايير التي اعتمدها مصنّفه رحمه الله سبحانه في جمع الأحاديث الشريفة والتثبّت منها بما لا يدع مجالاً للشك في سندها وقد أخذت به الأمة بالقبول.
ويجب أنْ يكون المحاور في هذه المواضيع قريباً من اختصاص الضيف أو مطلعاً عليه كي يسأله: ما هي حجتك أو دليلك على أنّ هذا الحديث غير صحيح؟ وما هو تعريفه للحديث الصحيح؟ وكيف يتجرأ على نفي صفة الحديث عنه؟!
فالكتب المعتمدة في الأحاديث الشريفة لها أدلتها وشواهدها خاصة من ناحية السند، وقد فحصت من قبل أهل الاختصاص، ولا أريد أنْ أخصّ الحديثين الشريفين المذكورين في سؤالك بهذا الكلام وأورد أدلة على صحتهما كي لا يتبادر إلى ذهن القاريء أنّ كلامي يرتبط بهما فقط أو أنّ الشبهات تحوم حولهما ولكني أقول: إنّ كلّ ما في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى وباقي السنن والأسانيد ينطبق عليها هذا القول ويجب أنْ يكون الكلام عنها باحترام مع الأخذ بنظر الاعتبار اختلاف درجة الأحاديث، وهذا قد بيّنه أهل الحديث بحجج علمية رصينة.
ولكن مع ذلك فلا يجوز – كما أسلفت – أنْ يؤخذ منه الأحكام إلّا من قِبَلِ أهل الاختصاص، وإنْ كانت هناك ملاحظة حول متن أي حديث أو سنده فلا يجوز طرحها على عامة النّاس تشكيكاً بدينهم بل يطرح أمام أهل العلم أصحاب الاختصاص في الحديث الشريف، وإنْ كان يتعلق باستدلال الحديث الشريف فيعرض على أهل الفقه وأصوله فهم وحدهم الذين يميّزون ما ذهب إليه.
ومن هنا لا بدّ لي من التنويه إلى خطأ مَنْ يقول: إنّ هذه الأحاديث الشريفة هي من دعت النّاس إلى الاقتتال فيما بينهم وهو قول يشي بجهل قائله ويثبت ما ذهبت إليه في بداية جوابي حول تفسير النصوص الشرعية والأخذ بها: فالعقوبات بشكل عام لا يجوز مباشرتها من طرف العامّة أو من قبل صاحب الحق ومن وقع عليه الضرر بل من قبل ولي الأمر المكلف شرعاً بإمضائها، حتى إن الشرع الشريف منع الزوج من قتل زوجته إذا رآها متلبسة بالزنى، فعن سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما (أنّ هلال بن أمية رضي الله عنه قذف امرأته عند النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بشريك بن سحماء فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: البيّنة أو حدّ في ظهرك، فقال: يا رسول الله! إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البيّنة؟ فجعل النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: البيّنة أو حدّ في ظهرك، فقال: والذي بعثك بالحق إنّي لصادق، ولينزلنّ الله تعالى ما يبرئ ظهري من الحد) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه، فنزلت آية اللعان بسبب ذلك.
وأنا لا أبرِّأ كلّ مَنْ يسلك سبيل الإعلام فيطرح هذه المواضيع، فالمعروف في كلّ أنواع العلوم وفروعها أنّ أيّ عالم يرى نظرية جديدة أو رأياً مخالفاً لما سار عليه مَنْ هم قبله فإنّه يعرض الأمر على أساتذته ومَنْ لهم باع أطول فيه قبل أنْ يعلن ما توصّل إليه على عامة الجمهور، والعلوم الشرعية بفروعها أولى بهذا النهج من غيره، فلا جدال في صحة أيّ حديث ذكرته في سؤالك أو موجود في صحيح البخاري ولكن النظر يكون في استنباط الحكم الشرعي له.
والله عزّ شأنه أعلم.