13/8/2017

السؤال: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سيّدي الكريم. أسأل الله جلّ في علاه أنْ تكونوا بخير، ويبارك في الجهود التي تبذلونها في خدمة الإسلام والمسلمين برحمته إنّه أرحم الراحمين.

سيّدي الكريم: إنّ بعض الأزواج يعانون من تأخّر الإنجاب بعد الزواج، وعند مراجعة الأطباء المختصين يتبيّن أنّ رحم الزوجة غير مؤهل طبيا لعملية التلقيح واستقرار البويضة الملقحة فيه، وينصح بعض الأطباء في مثل هذه الحالة باستئجار رحم آخر قد جرّب في الحمل أو لم يجّرب لكنّه مؤهل من الناحية الطبية لتكوّن الجنين فيه، فهل يجوز هذا؟ علما أنّ النصارى وغيرهم قد أجازوا ذلك لما فيه من استمرار النسل، وتحقق الفرحة للمحرومين من الذرية.

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته. جزاك الله جلّ وعلا خير الجزاء، وأسأله سبحانه أنْ يوفقك وجميع المسلمين لما يحبّ ويرضى إنّه جلّ جلاله ولي التوفيق.

وبعد:

لقد جاءت الشريعة الغرّاء بأصول ثابتة تقتضي حفظ ضروريات الإنسان، ومنها: حفظ وصيانة النسل والأنساب؛ لذلك حرّم الله تعالى الزنا، قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32] وبالمقابل دعا الى حفظ وصيانة الفروج فقال عزَ من قائل: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ العَادُونَ} [المؤمنون: 5 – 7]. وقال سبحانه في هذا الباب: {واللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} [النحل: 72] وفي الآية الكريمة هدايات لحفظ الأنساب.

أمّا قضية استئجار الأرحام ففيه أضرار كثيرة، ظاهرة وباطنة، شرعية، جسدية، نفسية، روحية: فهي باب إلى اختلاط الأنساب، إذا كانت المرأة متزوجة ولها أولاد، وإنْ لم تكن كذلك فالمفاسد الناجمة من هذا كثيرة كسوء الظنّ بها واتهامها بالرذيلة وغيرها، وهذا يؤدي حتما إلى انتشار الفاحشة في المجتمع. وفيه شبهة الزنا إنْ كانت المرأة صاحبة الرحم المستأجر لا تمتّ إلى الرجل بصلة الزوجية، ولا يعني هذا جواز الأمر إنْ كانت المرأة صاحبة الرحم المستأجر هي الزوجة الثانية أو الثالثة أو الرابعة؛ وذلك لوجود علة التحريم بسبب المضار الكثيرة التي سأبينها تباعا.

كما إنَّ ذلك سيفضي إلى حدوث الخلافات والنزاعات بسبب الاختلاف في أي المرأتين أحقّ بالأمومة: صاحبة البويضة أم صاحبة الرَّحِم؟ إذ لا شكّ أنّ مشاعر صاحبة الرحم المستأجر تتغيّر بالحمل والولادة، وغالبا ستشعر أنّها أمٌّ لذلك المولود ولا تستطيع التفريط به لقيام الروابط النفسية والفسيولوجية العميقة بينهما، وقد يؤدي بها الأمر أنْ تضحّي بنفسها من أجل وليدها، وقد أشار القرآن العظيم إلى حدث الولادة لأهميته، فقال عز من قائل: {— إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ —} [المجادلة: 2] حيث إنّ الحمل والوضع أحيانا يؤدي إلى هلاك الأم، وتعدّ هنا شهيدة لقوله صلى الله تعالى عليه واله وصحبه وسلم: (— وَالمَرْأةُ تَمُوْتُ بِجُمْعٍ شَهِيْدَةٌ —) الإمام أبو داود رحمه الله المعبود سبحانه. وقوله (تَمُوْتُ بجُمْعٍ) أي: تموت وفي بطنها ولد، وقيل: التي تموت بكرًا، والجُمْع – بالضم – بمعنى المجموع، والمعنى: أنّها ماتت مع شيء مجموع فيها، غير منفصل عنها من حمل أو بكارة.

ويلحق هذه المسألة النزاع حول ديّة هذه المرأة. وهذا الخلاف يتعدى إلى الأنساب، إذ يتعذّر معرفة أعمام وأخوال المولود، بالإضافة إلى مسائل الأحكام الشرعية الأخرى كمسائل النكاح والميراث وغيره.

وبما أنّ الرحم يشهد أهمّ أطوار خلق الإنسان وتصويره، وكذا نفخ الروح بالجنين فيه، قال تعالى: {— يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ}[الزمر: 6] وقال جلّ جلاله: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران عليهم السلام: 6] جعل الله عزّ شأنه له (للرحم) مكانة في شريعة الإسلام، وترتبت عليه العديد من الأحكام، فهو سبب لوجود صلات الأرحام التي أوجب الله جلّ وعلا رعايتها وصيانتها، ومن عظيم تشريفه لها أن اشتق جلّ جلاله وعمّ نواله اسمها من اسمه لقوله سبحانه في الحديث القدسي:  (أَنَا اللَّهُ، وَأَنَا الرَّحْمَنُ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا مِنْ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ) الإمام الترمذي رحمه الله عزّ وجلّ.

وهناك من استدلَّ بالقاعدة الفقهيَّة التي تقول: (الأصلُ في الأشياء الإباحة) على جواز استِئْجار الأرْحام إذ لَم يرِدْ دليلٌ على تَحريمه، فيجري على الأصل العامِّ، وهو الإباحة. وهذا استِدْلال خاطئ، لأنَّ الأصل في الأبْضاع التَّحريم، واستِئْجار الأرْحام من أخطَرِ ما يَمسُّ الأبْضاع. ولقد أجمع علماء الأمة رحمهم الله تعالى على أنّ رحم المرأة ليس من الأشياء التي تقبل البذل والإباحة بأي صورة كانت سوى الصورة الشرعية التي شرعها الله تعالى بالنكاح الشرعي المعروف بأنّه علاقة بين طرفين لا ثالث لهما، قال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه: (أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ) الإمام البخاري رحمه الباري عزّ شأنه. فبأيّ حقّ استحلّ الرجل رحم امرأة أخرى غير زوجته ؟ وقد أولت الشريعة الغرّاء اهتماما كبيرا بالنَّسَب وجعلت له سورا محكما فلا يدخل إليه مَنْ ليس منه، ولا يخرج منه مَنْ هو فيه، ومن هنا جاء تحريم التبنّي في الإسلام.

هذا وقد أثبتت الإحصائيات والأخبار العالمية الموثوقة بوجود أعداد غير قليلة من القضايا والمنازعات على المواليد من هذه الطرق بين ذات الرحم وذات الماء في دول العالم كالولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وألمانيا، ورُفِع بعضها إلى القضاء والمحاكم، وأدّى بعضها إلى ارتكاب جرائم جنائية، وتكفي البشرية في هذا الباب القاعدة الفقهية الإسلامية المباركة: (دَرْءُ المَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ المَصَالِحِ) البحر المحيط للإمام الزركشي رحمه الله تعالى (7/281). للاقتناع بالإقلاع عن هذه الخطيئة الكبرى، فهي بدعة من بدع الحضارة الغربية، ولاشك أنّها حضارة مادية صِرفة لا تقيم للمبادئ والقيم الأخلاقية وزناً.

ومن المفاسد التي تشتمل عليها هذه المسألة أنّها تفسد معنى الأمومة الحقيقية التي فطر الله تعالى عليها المرأة؛ إذ غاية ما هنالك وضع بويضة بدون عناء أو مشقة، بينما التي حملتها عانت آلام الحمل وتغذى بغذائها حتى اكتسب من صفاتها الكثير، بل قال بعض العلماء: إنّ حالة الإنسان الصحية طوال حياته تتحدّد بالفعل أثناء الشهور التسعة حيث كان جنيناً في رحم أمّه، وفي هذا الباب أشير إلى أنّ صاحبة الرحم المستأجر إذا كانت مصابة بمرض معدٍ أو خطير كفقدان المناعة الذاتية لاشك أنّه ينتقل إلى الجنين، وهذا يؤدّي إلى منازعات في مسائل الديات وما يتبعه.

إنّ فتح هذا الباب قد يؤدي إلى انتشاره فتسلكه كلّ مَنْ أرادت أنْ تحافظ على صحتها ورشاقة بدنها، أو أنْ تمتهن المرأة ذلك فتكون وظيفتها لاسيما في البلدان الفقيرة، أو التي حدثت فيها الفتن والحروب كما هو الحال في غالب البلدان العربية والإسلامية، فيتحوّل الإنجاب بهذه الطريقة إلى مفاخرة ومتاجرة. ولاشك أننا في دار الدنيا وهي دار الابتلاء والاختبار قال الله تبارك اسمه: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُور} [الملك: 2] ومن صور الابتلاء أنْ تكون المرأة عاقرا أو لا تستطيع الإنجاب لسبب ما، قال عزّ شأنه: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} [الشورى: 49، 50]. وهنا تتجلى هدايات الصبر والرضا بقضاء الله تعالى فتنفتح لهذه المرأة الصالحة أبواب المنح والترقي في الدنيا والآخرة، فقد ابتلى الله جلّ وعلا صفوة عباده، وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لحكمة هو يعلمها سبحانه، بالحرمان من الذرية لفترة طويلة ثمّ أكرمهم بها لصبرهم، فهذا سيّدنا إبراهيم لم يرزق بالذرية إلا بعد أنْ بلغ الثمانين من عمره، قال تبارك اسمه: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود: 71، 73].