السؤال:
ما تفسير قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ} [الزخرف: 84].
الاسم: عدي إبراهيم أحمد
الرد:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أشكرك على تواصلك مع هذا الموقع المبارك، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يجعل ذلك في ميزان حسناتك ويكرمك بما هو أهله، إنّه سبحانه ذو الجلال والإكرام.
قال الإمام ابن كثير رحمه ربّنا الكبير في تفسير الآية: (أَيْ: هُوَ إِلَهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، وَإِلَهُ مَنْ فِي الْأَرْضِ، يَعْبُدُهُ أَهْلُهُمَا، وَكُلُّهُمْ خَاضِعُونَ لَهُ، أَذِلَّاءُ بَيْنَ يَدَيْهِ، {وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ}، وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} [الْأَنْعَامِ/ 3]. أَيْ: هُوَ الْمَدْعُوُّ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ).
وفي قراءة لساداتنا عمر، وعَلِيّ، وابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله تعالى عنهم وعنكم (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ اللَّهُ وَفِي الْأَرْضِ اللَّهُ) وهي تفسّر المعنى.
وفي الآية ردّ على مَنْ نسب لله سبحانه الشريك والولد تقدّس ربّنا وتعالى عن ذلك علوا كبيرا.
وقال فضيلة الشيخ ابن عاشور رحمه ربّنا الغفور:
(وَقُصِدَ بِذِكْرِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ الْإِحَاطَةُ بِعَوَالِمِ التَّدْبِيرِ وَالْخَلْقِ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ فِي الْأَرْضِ وَهُمْ أَصْنَامُهُمُ الْمَنْصُوبَةُ، وَجَعَلُوا لَهُ شُرَكَاءَ فِي السَّمَاءِ وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ إِذْ جَعَلُوهُمْ بَنَاتٍ لِلَّهِ تَعَالَى فَكَانَ قَوْلُهُ: فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ إِبْطَالًا لِلْفَرِيقَيْنِ مِمَّا زُعِمَتْ إِلَهِيَّتُهُمْ ؛لِأَنَّ الْمَوْصُوفَ بِتَمَامِ الْحِكْمَةِ وَكَمَالِ الْعِلْمِ مُسْتَغْنٍ عَمَّا سِوَاهُ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى وَلَدٍ وَلَا إِلَى بِنْتٍ وَلَا إِلَى شَرِيْك).
ويروي فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله سبحانه، إنّه كان في طنطا، وذهب إلى المسجد الأحمدي فيها، فلقي فضيلة الشيخ شلتوت شيخ الأزهر رحمه الله تعالى ومعه أحد أساتذة تفسير القرآن الكريم، فقال هذا الأستاذ:
حمدا لله أنْ وجدتكم هنا، فأنا في أمر محيِّر، فبالأمس كنتُ قد قرأتُ الآية التي قال الله تعالى فيها: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ} [الزخرف/84]، والمعروف في قواعد اللغة العربية أنّه إذا جاءت كلمة نكرة في جملة واحدة مرتين فإنّ الكلمتين تفيدان معنيين مختلفين كأنْ نقول: قابلتُ رجلاً وأكرمتُ رجلاً، فالمعنى هنا يفيد أنّني قابلتُ رجلاً وأكرمتُ رجلاً آخر، أمّا إذا جاءت معرفة مرّتين فإنّها تفيد نفس المعنى، كأنْ تقول: قابلتُ الرجلَ وأكرمتُ الرجلَ، فالمعنى هنا يفيد بأنّك قابلتَ رجلاً وأكرمتَ نفس الرجل، ولو رجعنا للآية الكريمة لوجدنا أنّ كلمة إله جاءت نكرة مرّتين، ولو اتبعنا نفس القاعدة لأفادت أنّه في السماء إله وفى الأرض إله آخر.
يقول فضيلة الشيخ الشعراوي: فأخذنا نفكر ونتحاور. وبينما نحن كذلك إذ دخل رجل لا نعرفه ولا عرفناه بعد، مكشوف الرأس بيده عصا يحركها، فقال – باللغة المصرية الدارجة: (يا عُلما يا عُلما أنتو ناسيين اسم الموصول: الذي) وإلى هنا انتهى كلام الرجل ومشى وتركنا، فجلسنا صامتين مدّة نصف ساعة ممّا أحدثه كلامه بنا.
فالآية لم تقل وهو في السماء إله وفى الأرض إله، ولكن قالت: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ} [الزخرف: 84]، فالذي في الآية اسم موصول وهو معرفة، وكَلِمَتَيّ إله هما صلة الموصول لمعرفة (الذي)، فإله السماء هو نفسه إله الأرض.
اللهمّ افتح قلوبنا لفهم أسرار كلامك والانتفاع به.
اللهمّ صلِّ على فاتح باب العلم وعين اليقين، سيّدنا محمد النبيّ الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ما تشرّفت الألسن بتلاوة كتابك المبين.
والحمد لله رب العالمين.
والله تعالى شأنه أعلم.