30/5/2019

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى سيّدي الحبيب.

أحبّ أن أسأل حضرتكم عن حكم صلاة المنفرد خلف الصف، إذ أنّ هناك مَنْ يقول: إنّ صلاته باطلة، وبعضهم يقول: صلاته صحيحة، ويقول البعض الآخر: يجذب أحد المصلين الذين أمامه ليصلي معه في الصف، وقال آخرون: يتقدّم هو ليصلي بجنب الإمام، فأيّ هذه الأقوال صحيحة؟ جزاكم الله تعالى عنّا خير الجزاء.

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

ذكر الفقهاء رضي الله سبحانه عنهم وعنكم على قولين في حكم صلاة المنفرد خلف الصف.

القول الأوّل: صَلاَتُهُ صَحِيحَةٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ إذا كان بدون عُذْرٍ، وَتَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ بِوُجُودِ الْعُذْرِ، وهذا مذهب جمهور الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم. 

واستدلوا بما يأتي:

1- عَنْ سيدنا أَبِي بَكْرَةَ رضي اللّه تعالى عنه:

(أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْل أَنْ يَصِل إِلَى الصَّفِّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلاَ تَعُدْ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

2- عن سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله جلّ وعلا عنهما قال:

(بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ لَيْلَةً، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ مُعَلَّقٍ وُضُوءًا خَفِيفًا، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ، فَتَوَضَّأْتُ نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ، ثُمَّ جِئْتُ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَحَوَّلَنِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ) الإمام البخاري عليه الرحمة والرضوان

فإذا جاز أنْ يكون الانفراد في جزء من الصلاة -أي أثناء تحويله- جاز أنْ يكون في جميعها؛ إذ لو كان مبطلاً للصلاة لم يكن بين قليله وكثيره فرق، كالوقوف أمام الإمام مبطل للصلاة قليلاً كان أو كثيراً.

3- القياس على صحّة صلاة المرأة خلف الصف؛ لإنّ الرجال والنساء سواءٌ في الأحكام الشرعية.

وأجابوا عن الأحاديث النافية لصلاة المنفرد خلف الصف بأنّ المراد بها نفي الكمال؛ فهي كقوله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه:

(لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ) الإمام مسلم رحمه ربّنا المنعم.

أمّا الأْمْرَ الَّذِي وَرَدَ بِالإْعَادَةِ على ما سيأتي في أدلّة الفريق الثاني فهُوَ عَلَى سَبِيل الاِسْتِحْبَابِ؛ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ.

القول الثاني: صلاته باطلة إذا صَلَّى وَحْدَهُ رَكْعَةً كَامِلَةً مُنْفَرِدًا خَلْفَ الصَّفِّ، وهذا مذهب السادة الْحَنَابِلَةِ رحمهم الله عزّ وجلّ واستدلوا بما يأتي:

1- عن سيّدنا علي بن شيبان رضي الله تعالى عنه:

(أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ، فَوَقَفَ حَتَّى انْصَرَفَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَقْبِلْ صَلَاتَكَ، لَا صَلَاةَ لِرَجُلٍ فَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ) الإمام أحمد عليه رحمة العليّ الصمد.

2- عن سيدنا وابصة رضي الله سبحانه عنه:

(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ) الإمام أبي داود رحمه ربّنا المعبود.

وزاد الإمام الطبراني رحمه الله تعالى:

(أَلَا دَخَلْتَ مَعَهُمْ أَوْ اجْتَرَرْتَ أَحَدًا) وهو حديث ضعيف.

3- إنّ الجماعة هي الاجتماع، ويكون بالمكان والأفعال؛ فالأفعال اجتماع المأمومين على متابعة إمامهم، والمكان اجتماعهم في صفوفهم؛ وإذا قلنا بجواز انفراد بعضهم عن بعض فإنّ هذا يناقض المقصود من الجماعة.

وأجابوا عن أدلّة المجيزين بأنّ جواز انفراد المرأة خلف الصفوف من الرجال، قد دلّت السنّة المطهّرة على أنّه من خصائصها؛ كما في حديث سيّدنا أنس رضي الله تعالى عنه قال:

(أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ فَقَالَ: قُومُوا فَلِأُصَلِّيَ بِكُمْ، فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لَبِثَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاليَتِيمُ مَعِي وَالعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ) الإمام البخاري رحمه الله سبحانه.

وأمّا حديث سيّدنا أبي بكرة رضي الله جلّ وعلا عنه فإنّه لم ينفرد إلّا جزءاً يسيراً، وقد قال له النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم: (لَا تَعُدْ).

وأمّا حديث سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله سبحانه عنهما فإنّه لم يقف خلف الصف، بل كان مارّاً غير مستقر.

هذا بالنسبة لمَن انفرد خلف الصف، أمّا مَنْ جاء ووجد الصف مكتملا، فذهب الفقهاء رضي الله جلّ وعلا عنهم وعنكم إلى آراء في المسألة:

قَال السادة الْحَنَفِيَّةُ رحمهم الله سبحانه:

مَنْ لَمْ يَجِدْ فُرْجَةً يَنْبَغِي أَنْ يَنْتَظِرَ مَنْ يَدْخُل الْمَسْجِدَ لِيَصْطَفَّ مَعَهُ خَلْفَ الصَّفِّ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدًا وَخَافَ فَوَاتَ الرَّكْعَةِ جَذَبَ مِنَ الصَّفِّ إِلَى نَفْسِهِ مَنْ يَعْرِفُ مِنْهُ عِلْمًا وَخُلُقًا لِكَيْ لاَ يَغْضَبَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ وَقَفَ خَلْفَ الصَّفِّ بِحِذَاءِ الإْمَامِ، وَلاَ كَرَاهَةَ حِينَئِذٍ، لأِنَّ الْحَال حَال الْعُذْرِ.

وَقَال السادة الْمَالِكِيَّةُ رحمهم ربّنا تبارك اسمه:

مَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الدُّخُول فِي الصَّفِّ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي مُنْفَرِدًا عَنِ الْمَأْمُومِينَ، وَلاَ يَجْذِبُ أَحَدًا مِنَ الصَّفِّ، وَإِنْ جَذَبَ أَحَدًا فَلاَ يُطِعْهُ الْمَجْذُوبُ؛ لأِنَّ كُلًّا مِنَ الْجَذْبِ وَالإْطَاعَةِ مَكْرُوهٌ.

وَقال السادة الشَّافِعِيَّةِ رحمهم الله جلّ شأنه:

مَنْ لَمْ يَجِدْ فُرْجَةً وَلاَ سِعَةً فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجُرَّ إِلَيْهِ شَخْصًا مِنَ الصَّفِّ لِيَصْطَفَّ مَعَهُ، لَكِنْ مَعَ مُرَاعَاةِ أَنَّ الْمَجْرُورَ سَيُوَافِقُهُ، وَإِلاَّ فَلاَ يَجُرُّ أَحَدًا مَنْعًا لِلْفِتْنَةِ، وَإِذَا جَرَّ أَحَدًا فَيُنْدَبُ لِلْمَجْرُورِ أَنْ يُسَاعِدَهُ.

وَقَال السادة الْحَنَابِلَةُ رحمهم الله تقدّست ذاته:

مَنْ لَمْ يَجِدْ مَوْضِعًا فِي الصَّفِّ يَقِفُ فِيهِ وَقَفَ عَنْ يَمِينِ الإْمَامِ إِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ؛ لأِنَّهُ مَوْقِفُ الْوَاحِدِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْوُقُوفُ عَنْ يَمِينِ الإْمَامِ فَلَهُ أَنْ يُنَبِّهَ رَجُلاً مِنَ الصَّفِّ لِيَقِفَ مَعَهُ.

والذي أراه والله سبحانه أعلم وأحكم:

أنّ الإسلام حثّ على الجماعة والانسجام معها، وكره مظاهر الانفراد، وليست هناك حاجة للصلاة منفردا خلف الصف، فلا داعي لأنْ يجعل المسلم على نفسه حرجا، خصوصا مع ورود النصوص بالإعادة، حتى ولو كانت هذه الإعادة للاستحباب كما يرى جمهور العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم، فالمؤمن يستبرأ لدينه في فريضة عظيمة جعلها الشرع الشريف عماد الدين.

أمّا مَن دخل المسجد ووجد الصفّ مكتملا فليقف منفرداّ ولا كراهة في حقّه على رأي الجمهور، وهو كذلك اختيار بعض متأخري الحنابلة؛ لأنَّ غاية المصافّة أنْ تكون واجبة، فتسقط بالعذر، ومنعًا لحدوث الإشكالات بين المصلّين.

كما ويجب على الأئمة في المساجد أنْ ينبّهوا على هذه المسألة ليتفقّه المسلمون والعمل برأي الجمهور وهو صحّة جواز سحب أحد من الصفّ للاصطفاف معه.

وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.

والله جلّ جلاله أعلم.