السلام عليكم رحمه الله وبركاته.

شيخي الكريم حفظك الله.

نحن خمسة إخوة وأختان ورثنا عن أبي دارا كنا نسكنها مقسمه إلى أربع شقق، كنّا نسكن ثلاثة منها أنا وإخوتي وندفع إيجارا رمزيا لأبينا، بعد وفاة أبي رحمه الله قمنا بدفع الإيجار إلى الوالدة، طالب أحد إخوتي ممّن لا يسكنون البيت بالإيجار منّا لحصته في ميراث أبي وعلى إثر ذلك تركت بيت أبي وسكنت بعيدا، ونفس الشيء فعله أخي الثاني خوفا من أكل الحرام، هنا فرغت شقتان وبقيت شقتان يشغلهما اثنين من إخوتي، طالبت إخوتي أنْ يتركوا شققهم ويسكنوا بعيدا لنؤجر الشقق ونقسّم المبلغ شرعا علينا كورثة أو نبيع البيت وتقسم الحصص فرفضوا وقالوا لكم شقتان فارغتان أجّروها وتقاسموا أجارها أنتم الخمسة، أمّا نحن فساكنون في حصتنا من ميراث أبينا ولا ندفع إيجارا، وليس لنا الرغبة في البيع، قلت لهم:  دعونا نقسم إيجار الشقتين المؤجرتين علينا جميعا ونحدد إيجار سكنكم الذي عليكم أنْ تدفعوه ويقسم علينا أيضا، وفي هذه الحالة نحن شركاء في سكنكم، وأنتم شركاء في إيجارات الشقتين، وتدفعون فرقًا بسيطًا لقاءَ سكنكم في بيت أبي وأبلغتهم أنّ كلّ متر في الشقق هو شراكة لكل الورثة ولا يجوز أنْ تدّعي أنّ هذه حصتّك من الميراث لوحدك دون رضا البقية، وأنت تختار بمزاجك، لكن رفضوا ذلك مع أنهم قادرون على الخروج والتأجير خارج بيت الوالد، وفضّلوا البقاء لأطول وقت لجمع المال، ومن بعد شراء البيت، قام ثلاثة من إخوتي الذين هم خارج البيت بتقسيم إيجار الشقتين إلى أربع حصص وليس خمس، لتنازل إحدى الأخوات في لندن عن حصّتها ليستفيدوا هم الثلاثة من المال وقتها، أمّا أنا فرفضت ذلك وقلت لهم: هذا ليس العدل والشرع، ولم أستلم أي مبلغ فأبقوا حصتي عند أحدهم وتصرّفوا دون موافقتي، بعدها قام أخي الذي طالبني بالإيجار سابقا بالسكن في إحدى الشقق مع أنّه عنده بيت آخر ولكن طمع أنْ يأخذ الشقة مجانا بدون إيجار، وبقيت شقة واحدة لبقية الورثة غير الساكنين في البيت، وأخي يردد ويقول: أنا أيضا ساكن في حصتي من أبي ولا أريد أنْ أدفع إيجار حالي كحال إخوتي الساكنين في الشقق.

أنا الآن في بريطانيا، توفيت والدتي ولم يبق لي حلّ سوى البيع، وقبل فترة حاولت بيع حصتي فأراد إخوتي الثلاثة الذين يسكنون بيت أبي أن يشتروها منّي، واعترف اثنان منهم بحقي في الإيجار، وهم كانوا في ضيق ولم يتمكنوا من دفع الإيجار، وشكروني على صبري عليهم، أمّا الآن فهم قادرون وتعهّدوا على دفع الإيجارات القديمة كلّها ولكن يريدون أنْ يشتروا منّي أولا ويسجّلوا البيت باسمهم فرفضت وقلت: ادفعوا الإيجار وسأبيع لكم بعدها لأني شككت فيهم ولينهم معي لم يحصل البيع وقتها لظروف البلد وحاله المتقلب، والآن أريد أن أبيع حصتي وطالبتهم بالإيجار فرفضوا أي إيجار وأي حق لي عندهم عدا واحد من الساكنين تعهّد بذلك لي ولم ينكر الحق والعهد الذي قطعه على نفسه.

سؤالي: ما حكم الشرع عليهم؟ وهل الحق معي أم معهم بالنسبة للإيجار؟ فأنا لازلت متمسكا بحقي عندهم وهم يشغلون الشقق وينكرون ذلك بحجة هذه حصتنا من ميراث أبينا.

جزاكم الله كل الخير.

الاسم: م

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا جزيلا على تواصلك مع هذا الموقع المبارك.

قبل الإجابة عن سؤالك أرى من الواجب التنبيه إلى ضرورة الترحّم على والديك عند ذكرهما بعد وفاتهما فهذا أقلّ واجب ينبغي على الولد القيام به للبرّ بهما، فَعَنْ سَيِّدِنَا أَبِي أُسَيْدٍ – مَالِكٍ بْنِ رَبِيْعَةَ السَّاعِدِيّ – رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ:

(كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ بَعْدَ مَوْتِهِمَا أَبَرُّهُمَا؟ قَالَ: نَعَمْ، خصالٌ أَرْبَعٌ: الدُّعَاءُ لَهُمَا، وَالاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإنْفَاذُ عَهْدِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيْقِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا رَحِمَ لَكَ إلَّا مِنْ قِبَلِهِمَا) الإمام البخاري رحمه الله جلّ وعلا في الأدب المفرد.

إنّ أصل كلّ شقاء وبلاء وضرر هو الابتعاد عن الشريعة الغراء والتقصير والتأخير عن تحكيم هداياته في جميع مفاصل حياتنا، وهذا ينطبق حتما على مسائل الإرث وتقسيم التركات، وكان الصواب أنْ يتمّ تقسيم تركة الوالد رحمه الله تعالى بعد وفاته ليأخذ كلٌّ من الورثة نصيبه كما أثبته الشرع الشريف بعد قضاء الديون وإخراج الوصايا إنْ كانت ثَمَّ ديون أو وصايا، قال الله سبحانه: {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا} [النساء:7].

(نَصِيبًا مَفْرُوضًا) هُوَ كَقَوْلِكَ: قَسْمًا وَاجِبًا، وَحَقًّا لَازِمًا، فَهُوَ اسْمٌ فِي مَعْنَى الْمَصْدَرِ فَلِهَذَا انْتَصَبَ. انْتَصَبَ عَلَى الْحَالِ. أَيْ لِهَؤُلَاءِ أَنْصِبَاءُ فِي حَالِ الْفَرْضِ. وَالمَفْرُوْضُ: المُقَدَّرُ الوَاجِبُتفسير الإمام القرطبي رحمه الله تعالى (5/ 48) بتصرّف.

فهذه الأنصبة والحقوق لم تفرض استحبابًا أو عُرْفًا إنّما فُرضت من قِبَلِ الله جلّ في علاه، فما على المسلم إلا أنْ يقول ما أمرنا به ربّنا جلّ وعلا إذ قال في مدح

عباده المفلحين:

{إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 51].

كما أنّ هذه الأنصبة المفروضة هي وصيّة الله جلّ وعلا لنا، فينبغي الالتزام بها وتنفيذها على الوجه الذي أراده منّا، قال سبحانه:

{يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ —} [النساء:11]، إلى قوله جلّ جلاله {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ} [النساء:12].

وفي الحالة التي ذكرتها يكون تقسيم التركة ببيع الدار وتقسيم ثمنها على الزوجة والأولاد أي للوالدة نصيبها وهو الثُمن، والبقية تقسم عليكم للذكر مثل حظ الأنثيين.

أو يتمّ تثمين الدار ويقوم بشرائه أحدكم ويعطي للبقية نصيبهم.

أما وقد تخلفتم في فعل ذلك فهذا تقصير وخطأ منكم جميعا، وينبغي لمَنْ شغل الشقق أنْ يدفع بدل الإيجار التي تعود للورثة جميعا كذلك كلٌّ بقدر نصيبه، وهذا الحق لا ينبغي إلا الرضا به والإذعان له، قال الحقّ جلّ جلاله:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ —} [النساء: 29].

وقال نبيّنا الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم:

(لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِطِيْبِ نَفْسٍ مِنْهُ) الإمام أحمد رحمه الله تعالى الممجد.

وينبغي هنا أنْ أذكّر جنابكم بحرمة الرحم وعظمة صيانتها والحفاظ عليها في شريعة الإسلام؛ فأموال الدنيا كلّها لا تعدل نعمة الإخوة، وعليه ينبغي لجنابك الكريم ولإخوانك جميعا صيانة علاقتكم والتسامي فوق هذه المنازعات التي تقطع الأرحام وتوجب سخط الرحمن جلّ جلاله وعمّ نواله القائل في محكم كتابه المجيد:

{فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} [سورة سيّدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم:٢٢].

ولهذه الهدايات المباركات أنصح الجميع بالتوبة إلى الله عزّ وجلّ، وتصفية الأمور، والمحافظة على علاقتكم الطيّبة مهتدين جميعًا بقول نبيّ الرحمة عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:

(رَحِمَ اللهُ عَبْدًا سَمْحًا إذَا بَاعَ، سَمْحًا إذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إذَا اقْتَضَى) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

واللهَ تَعَالَى أسأل لكم التوفيق والسداد والرشاد وسبحانه أحكم وأعلم.