السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سيّدي حضرة الشيخ أسأل الله تعالى أنْ يهدي بك العباد بجاه سيّدنا محمد صلى الله عليه وسلم. 

سؤال: إذا كان الإنسان متعلقا بذنب بسبب سوء تربيته ولمّا هداه الله عزّ وجلّ لهذا الخير سلك الوسائل لتركه لكن يتركه فترة من الزمن ويعود إليه، ثمّ يتوب وهكذا، وهذا الأمر يؤثر على عمله الروحي. فما العمل؟ أفيدوني جزاكم الله خيرا

الاسم: ع س

 

الرد: 
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

جزاكم الله تعالى على دعائكم الطيب ولكم بمثله، وأسأله سبحانه وتعالى لي ولك ولجميع المسلمين الاستقامة على طاعته، والثبات على دينه، فالاستقامة على طاعة الله عزَّ وجلَّ والثبات عليها يجب أن يكونا هدف كلّ مؤمن بلقاء الله العزيز الرحيم، لأنّها السبيل الوحيد للسعادة في الدنيا والآخرة، قال الله جلَّ في علاهُ:

{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ *نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ} [فصلت: 31 – 32].

وقال تبارك اسمهُ:

{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأحقاف: 13 – 14].

عَنْ سَيِّدِنَا سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ:

(قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَكَ، قَالَ: قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ) الإمام مُسْلِمٌ رحمه الله جلّ وعلا.

ومن الواضح تلازم الإيمان بالله عزّ وجلّ والاستقامة على أوامره، والثبات عليها كما في هذه النصوص وغيرها. والسبيل إلى الاستقامة والثبات على الدين هو الاستعانة بالله جلّ في علاه، والالتجاء إليه سبحانه، والعمل بمقتضى كتابه، واتباع هدي رسوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، ومصاحبة أهل الخير الذين يدلّون على طاعة الله تعالى ويرغّبون فيها، ويحذّرون من طاعة الهوى والشيطان. مع البُعد عن قرناء السوء.

قَالَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاه:

(مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ وَكِيرِ الْحَدَّادِ لَا يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ الْمِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ وَكِيرُ الْحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أَوْ ثَوْبَكَ أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً) الإمام البخاري رحمه الله تعالى.

ورحم الله تعالى القائل:   

عنِ المرْءِ لا تَسألْ وسَلْ عن قَرينه *** فكُلُّ قَرينٍ بالمُقَارِنِ يَقْتَدي 

وإنَّهُ من المعلوم أنَّ الله جلّ وعلا قد شرع لعباده التوبة والإنابة إليه وحثّهم عليها ورغّبهم فيها ووعد التائب بالرحمة والغفران مهما بلغت ذنوبه فمن جملة ذلك قوله جلّ وعلا:

{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ[الزمر: 53 – 54].

وقوله سبحانه:

{— إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222].

وقد تظافرت دلائل الكتاب العزيز والسنّة المطهّرة على وجوب التوبة، ولزوم المبادرة إليها، وأجمع على ذلك أئمة الإسلام رضي الله تعالى عنهم وعنكم.

إذا عُلِمَ ذلك، فإنّ التائب لا يكون تائبًا حقًّا إلا إذا توفّرت في توبته خمسة شروط هي:

1- الإخلاص: وهو أنْ يقصد بتوبته وجه الله عزّ وجلّ.

2- الإقلاع عن الذنب.

3- الندم على فعله.

4- العزم على عدم الرجوع إليه.

5- أنْ تكون التوبة قبل أنْ يصل العبد إلى حال الغرغرة عند الموت.

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم:

(وَلِلتَّوْبَةِ شَرْطٌ آخَرُ وَهُوَ: أَنْ يَتُوبَ قَبْلَ الْغَرْغَرَةِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَأَمَّا فِي حَالَةِ الْغَرْغَرَةِ وَهِيَ حَالَةُ النَّزْعِ، فَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَلَا غَيْرُهَا، وَلَا تُنَفَّذُ وَصِيَّتُهُ وَلَا غَيْرُهَا).

فهذه الشروط فيما إذا كان الذنب بين العبد وربّه.

أمّا إذا كان يدخل فيه حق العباد، فلا بدّ من إبراء الذمّة من هذا الحق، فإنْ كان مظلمة استحلّها منه، أو حقًا ردّه إليه، بالإضافة إلى الشروط الخمسة الآنفة الذكر. 

إذا ثبت هذا فليعلم أنّ العبد إذا تاب، فينبغي أنْ يكون حاله بين رجاء قبول التوبة، ومخافة العقاب من الله جلّت قدرته القائل:

{وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون: 60].

عَنْ أُمِّ المؤمنين سَيِّدَتِنَا عَائِشَةَ – رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا – قَالَتْ:

(سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ! وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ، وَيُصَلُّونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) الإمام التِّرْمِذِيُّ رحمه الله جلّ وعلا.    

لكن لا ما نع أنْ يكون هنالك أمارات على صدق توبة العبد يستأنس بها في ذلك، ومنها:-

أنَّ العبد التائب يجد حرقة في قلبه على ما فرّط في جنب الله تبارك وتعالى.

وأنَّهُ ينظر لنفسه بعين التقصير في حق الله الجليل. 

وأنَّهُ يكون أشد تجافيا عن الذنب وعن أسبابه، نائيا بنفسه عن هذه الموارد. 

ويميل إلى الإقبال على ربّه ومولاه، ويُصاحب أهل الفضل والخير، ويقاطع أصدقاء السوء، ومَنْ لا خير فيهم، وينظر إلى توفيق الله له بالتوبة على أنَّهُ نعمة عظيمة مِنْ أعظم النعم عليه، فيفرح بها ويحافظ عليها ويخاف زوالها، ويخشى عقوبة نكثها. 

فإذا تاب توبة نصوحاً ثم زيَّن له الشيطان المعصية فزلّت قدمه وقارفها، فليسارع إلى تجديد التوبة مرة أخرى، قال الله جلّ جلاله: 

{إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [الأعراف: 201].

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: 

(يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْمُتَّقِينَ مِنْ عِبَادِهِ الَّذِينَ أَطَاعُوهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَرَكُوا مَا عَنْهُ زَجَرَ، أَنَّهُمْ (إِذَا مَسَّهُمْ) أَيْ أَصَابَهُمْ “طَيْفٌ” وَقَرَأَ آخَرُونَ: “طَائِفٌ” وَقَدْ جَاءَ فِيهِ حَدِيثٌ، وَهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ، فَقِيلَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَقِيلَ: بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَ ذَلِكَ بِالْغَضَبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِمَسِّ الشَّيْطَانِ بِالصَّرَعِ وَنَحْوِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِالْهَمِّ بِالذَّنْبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِإِصَابَةِ الذَّنْب.

وَقَوْلُهُ: (تَذَكَّرُوا) أَيْ: عِقَابَ اللَّهِ وَجَزِيلَ ثَوَابِهِ، وَوَعْدَهُ وَوَعِيدَهُ، فَتَابُوا وَأَنَابُوا، وَاسْتَعَاذُوا بِاللَّهِ وَرَجَعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَرِيبٍ (فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) أَيْ: قَدِ اسْتَقَامُوا وَصَحَوْا مِمَّا كَانُوا فِيهِ)

وكونك تقع في الذنب ثمّ تتوب ثمّ تقع في الذنب ثمّ تتوب ليس معناه أنَّك مُصرٌ عليه، بل قد يكون ذلك دليلاً على حبِّك للهِ الرؤوف الرحيم ورغبتك في التوبة، وكراهيتك للذنب والمعصية لأنَّك تكره المداومة على فعلها، قال الله عزّ شأنه: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران عليهم السلام: 135].

وَعنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ:

(سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا وَرُبَّمَا قَالَ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَقَالَ رَبِّ أَذْنَبْتُ وَرُبَّمَا قَالَ أَصَبْتُ فَاغْفِرْ لِي فَقَالَ رَبُّهُ أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا أَوْ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَقَالَ رَبِّ أَذْنَبْتُ أَوْ أَصَبْتُ آخَرَ فَاغْفِرْهُ فَقَالَ أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا وَرُبَّمَا قَالَ: أَصَابَ ذَنْبًا، قَالَ: قَالَ رَبِّ أَصَبْتُ أَوْ قَالَ: أَذْنَبْتُ آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثَلَاثًا فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

جاء في كتاب فتح الباري بشرح صحيح البخاري رحمه الله تعالى:

(قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْحَدِيثِ إِنَّ الذُّنُوبَ وَلَوْ تَكَرَّرَتْ مِائَةَ مَرَّةٍ بَلْ أَلْفًا وَأَكْثَرَ وَتَابَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ أَوْ تَابَ عَنِ الْجَمِيعِ تَوْبَةً وَاحِدَةً صَحَّتْ تَوْبَتُهُ وَقَوْلُهُ اعْمَلْ مَا شِئْتَ مَعْنَاهُ مَا دُمْتَ تُذْنِبَ فَتَتُوبَ غَفَرْتُ لَكَ) فتح الباري (13/472).

ولكن ليس في هذا الحديث ترخيص في فعل الذنوب، ولكن فيه الحث على التوبة لمَنْ وقع في الذنب، وأنَّهُ لا يستمر على فعله، وَلِهَذَا يُؤْمَرُ الْعَبْدُ بِالتَّوْبَةِ كُلَّمَا أَذْنَبَ.

قَالَ بَعْضُهُمْ لِشَيْخِهِ: إنِّي أُذْنِبُ، قَال: تُبْ، قَالَ: ثُمَّ أَعُودُ، قَالَ: تُبْ، قَالَ: ثُمَّ أَعُودُ، قَالَ: تُبْ، قَالَ: إلَى مَتَى؟ قَالَ: إلَى أَنْ تُحْزِنَ الشَّيْطَانَ. أسباب رفع العقوبة عن العبد للشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى.

فكثرة التوبة مِنَ الأمور المحمودة عند الله سبحانه وتعالى، قَالَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ:

(كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ) الإمام الترمذي رحمه الله سبحانه.

وينبغي للتائب أنْ يتخذ تدابير تعينه على الاستقامة والاستمرار على التوبة وعدم النكوص وتنكب الطريق، ومن هذه التدابير:

1- دعاء الله الكريم الوهّاب بذُلٍّ وإلحاح أنْ يرزقه الاستقامة، ويعينه على التمسك بدينه، وخير ما يُدعى به ما كان يدعو به نبيّنا الأكرم صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:

(يَا مُقَلِّبَ القُلُوْبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِيْنِكَ) الإمام الترمذي رحمه الله عزّ وجلّ.

2- اجتناب أماكن المعصية وأصدقاء السوء الذين يزينون المعاصي له ويرغبونه فيها، وفي المقابل اتخاذ رفقة صالحة من المؤمنين المستقيمين المتمسكين بالدين، فإنَّ صحبتهم من أعظم أسباب الاستقامة والثبات على التوبة بعد الله جلّ جلاله، فإنَّ الشيطان مع الواحد وهو مِنَ الاثنين أبعد، وإنَّما يأكل الذئب مِنَ الغنم القاصية، وقد قال الله جلَّ وعلا:

{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28].

فعليك أخي التائب أن تجاهد نفسك {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].

وأنْ تفتش عن هؤلاء الصالحين الصادقين، فتعبد الله تبارك وتعالى معهم وتتعلم منهم فعل الخيرات وطلب العلم النافع.

وأختم جوابي بذكر حديثٍ أوردهُ سيّدي وقرّة عيني حضرة الشيخ العلامة الدكتور عبد الله بن مصطفى الهرشمي طيّب الله تعالى روحه وذكره وثراه في كتابه معالم الطريق ص 243 نقلاً عن الجامع الصحيح للإمام الترمذي رحمه الله تعالى.

عَنْ أَسْمَاءَ بْنِ الْحَكَمِ الْفَزَارِيِّ، قَال: سَمِعْتُ عَلِيًّا، يَقُولُ: إِنِّي كُنْتُ رَجُلًا إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَنْفَعَنِي بِهِ، وَإِذَا حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ اسْتَحْلَفْتُهُ، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ، وَإِنَّهُ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَطَهَّرُ ثُمَّ يُصَلِّي ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران : 135]

وأرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (210، 1437، 1578، 1643، 1797) في هذا الموقع المبارك.

وصلِّ اللهمّ على سيّدنا محمد صلاة تملأ خزائن الله تعالى نورا، وتكون لنا ولوالدينا ولمشايخنا وللمؤمنين فرجاً وفرحاً وسروراً.

والله جلّ جلاله أعلم.