السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سيدي الكريم.
أحمد الله سبحانه لعودة هذا الموقع المبارك للعمل مرة أخرى وأدعوه جلّ وعلا أنْ يديم هذه النعمة علينا وعلى جميع المسلمين إنّه سبحانه سميع مجيب.
ما حكم استخدام السواك أمام الناس، أو على سجادة الصلاة في المسجد؟
مع فائق الشكر والتقدير.
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
جزاك الله تعالى خيراً على دعواتك.. ونحمده عزّ وجلّ على نعمهِ ونرجو أنْ يستمرّ نفعُ هذا الموقعِ المبارك بمزيدِ دعواتكم ومساهماتكم.
قال الحقّ جلّ جلاله:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ —} [المائدة: 6].
ولا يمكن أنْ يُفهم من هذه الآية الكريمة أنّ الوضوء يكون مع القيام إلى الصلاة، إنّما يكون عند الاستعداد لها، ومعه يكون استخدام السواك.
والسّواك سنَّة ثابتة عن حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم وليس بفرض، دلّ على ذلك قوله عليه الصلاةُ والسّلامُ وآله وصحبه الكرام:
(لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي أَوْ عَلَى النَّاسِ لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
و(لولا) حرف امتناع لوجود كما يقول أهل اللغة، أي امتنع الفرض لوجود المشقة، كما في قوله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه:
(لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لَأَمَرْتُهُمْ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ بِوُضُوءٍ) الإمام النسائي رحمه الله جلّ في علاه.
وفي الحديث الشريف الثاني لا يمكن التصوّر أنَّ المصلي يتوضأ وهو قائم بين يدي الله تعالى ليصلّي، مأمومًا كان أو إمامًا لاستحالة ذلك، ومنها يُفهم أيضاً أنَّ السواك لا يكون كذلك بل للاستعداد للصلاة وهو من سنن الوضوء.
فالسواك مع ما فيه من فوائد فهو إزالة الأذى عن الفمّ والأسنان ولا يتناسب ذلك مع وقوفنا بين يدي الله تعالى.
ويؤيد ذلك بعض الآثار الشريفة منها:
قول أمّنا السيّدة عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبيها حين سئلت:
(بأيِّ شيءٍ كَان يَبْدَأُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذا دَخَلَ بَيْتَهُ، قَالَتْ: بِالسِّوَاكِ) الإمام مسلم رحمه الله عزّ وجلّ.
ففي هذا إمّا أنْ يكون السواك في البيت ولم يكن يحمله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام معه، أو أنْ يكون معه وكان بوسعه أنْ يستاك قبيل دخوله البيت ولكنّه لم يفعل أمام الناس أو في الأماكن العامة.
وقد فصّل ذلك الإمام القرطبي رحمه الله عزّ وجلّ في كتابه (المُفهِم لما أشكل من تلخيص الإمامِ مسلِم) الجزء الأول صفحة (509) قائلاً:
(— وعلى أنّه يتجنّب استعمال السّواك في المساجد والمحافل وحضرة النّاس، ولم يرو عنه صلّى الله عليه وسلّم أنّه تسوّك في المسجد، ولا في محفلٍ من النّاس، لأنّه من باب إزالة القذر والوسخ، ولا يليق بالمساجد ولا محاضر النّاس ولا يليق بذوي المروءات فعلُ ذلك في الملأ من النّاس، ويحتمل أنْ يكون ابتداء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عند دخول بيته بالسواك لأنّه كان يبدأ بصلاة النّافلة، فقلّما كان يتنفل في المسجد).
وَقَد سُئِلَ الشَّيْخُ ابْنُ تَيْمِيَة رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى عَنْ السِّوَاكِ، هَلْ هُوَ بِالْيَدِ الْيُسْرَى أَوْلَى مِنْهُ بِالْيَدِ الْيُمْنَى أَوْ بِالْعَكْسِ؟ فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الْأَفْضَلُ أَنْ يُسْتَاكَ بِالْيُسْرَى؛ نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَد فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ الْكَوْسَجِ ذَكَرَهُ عَنْهُ فِي مَسَائِلِهِ وَمَا عَلِمْنَا أَحَدًا مِنْ الْأَئِمَّةِ خَالَفَ فِي ذَلِكَ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاسْتِيَاكَ مِنْ بَابِ إمَاطَةِ الْأَذَى فَهُوَ كَالِاسْتِنْثَارِ وَالِامْتِخَاطِ؛ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ إزَالَةُ الْأَذَى وَذَلِكَ بِالْيُسْرَى كَمَا أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَاتِ كَالِاسْتِجْمَارِ وَنَحْوِهِ بِالْيُسْرَى وَإِزَالَةُ الْأَذَى وَاجِبُهَا وَمُسْتَحَبُّهَا بِالْيُسْرَى. مجموع الفتاوى (21/ 108).
ولاستخدام السواك آداب كثيرة، منها:-
التعهد بتطهير عود الأراك أو ما يستعمل للسواك وتنظيفه ممّا يعلّق به من فضلات الطعام، وغسله بالماء قبل استعماله وبعد استعماله، وعدم إظهار تفاصيل التسوّك أمام النّاس لما فيه من منافاة النظافة والمروءة والحرص على إبراز المظهر الحسن للمسلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على صاحب الخلق العظيم سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والله جلّ جلاله أعلم.