7/4/2019
السؤال:
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
شيخي الفاضل د. سعد الله، أطال الله في عمركم ورزقكم الصحة وجميع العاملين على هذا الموقع. سؤالي: هل يجوز للزوج منع زوجته من زيارة أهلها والمبيت عندهم؟ علمًا أنّها تسكن في محافظة أخرى بعيدة عن أهلها؟ ولم يذكر لي سبب منطقي في المنع.
الاسم: أم محمد
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على تواصلك مع هذا الموقع المبارك، وعلى دعواتك الطيبة.
وبعد:
فقد تعددّت آراء العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في حكم حقّ الزوج من منع زوجته زيارَة أهلها، فمنهم مَنْ ذهب إلى أنّه ليس له ذلك، وذهب فريق آخر إلى أنّ ذلك من حقّه، وتلزمها طاعته، فلا تخرج إليهم إلّا بإذنه، لكن ليس له أنْ يمنعها من كلامهم ولا مِن زيارتهم لها، إلّا أنْ يخشى ضررًا بزيارتهم، فيمنعهم دفعًا للضّرر.
وينبغي أنْ أنبّه إلى أنّه لا ينبغي للزوج أنْ يمنع زوجته من زيارة أرحامها عمومًا، ووالديها خصوصًا، ما لم يكن هناك سبب للمنع ككون خروجها يضرّ به أو بأولاده، أو ككونهم أصحاب معاصي مثلا، ويخشى على زوجته أنْ يفسدوها، أو أنْ يكونوا ممّن يحاولون الإيقاع بينه وبين زوجته ويسعون في إغراءها بعصيانه، والتمرّد على طاعته، فله حينئذ منعها، وإلّا فالأصل أنْ يكون الزوج عونًا لزوجه في المعروف والصالحات؛ قال ربّ الأرض والسموات جلّ وعلا:-
{— وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ —} [سورة المائدة: 2].
وليس من الْبِرِّ قطع الأرحام بل هو من أكبر الإثم؛ قال تعالى:
{فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ} [سورة سيّدنا محمد صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم: 22 – 23].
صحيح أنّه لا يجوز للمرأة الخروج من بيت زوجها إلّا بإذنه، لا لوالديها ولا لغيرهم؛ لأنّ ذلك من حقوقه عليها، وممّا يدلّ على اشتراط إذن الزوج في زيارة الأبوين: ما جاء في قصّة الإفك، وقول السيّدة عائشة رضي الله سبحانه عنها لحضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِي أَبَوَيَّ) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ جلاله.
ولكن ينبغي على الزوج ألّا يتعسّف في استعمال حقّه الشرعي لمنع زوجته من البرّ والصلة؛ إذ إنّ منعها من زيارة أهلها ربّما سيحملها إلى مخالفة الزوج والخروج بدون إذنه ممّا يؤدي إلى عواقب وخيمة، وشقاق بين الزوجين قد يصل إلى الطلاق وتهديم الأسرة التي أمر الله عزّ وجلّ بالمحافظة عليها، وبالعكس من ذلك فإنّ في زيارة أهلها وأرحامها تطيّيبًا لخاطرها، وإدخال السرور عليها، وعلى أولادها، وكلّ ذلك يعود بالنفع على الزوج والأسرة التي يزداد سكنها وترابطها.
إنّ المحافظة على استقرار الأسرة من أهم مسؤوليات الزوجة، فيجب عليها أنْ توفّر لزوجها الأحوال المطمئنّة والسكن الذي أمر الله جلّ وعلا به في قوله الكريم:-
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة الروم: 21].
ولذا ينبغي أنْ تعلم الزوجة بأنّه لا ينبغي لها كثرة زيارة أهلها إلّا في أوقات متباعدة وللضرورة الملحّة خصوصًا إذا كانوا في محافظة بعيدة لأنّ ذلك يكلّف الزوج نفقات السفر وتحمّل فراق زوجته التي تضطر للمبيت عند أهلها لأيّام معدودة يكون فيها الزوج محتاجًا إليها في أمور كثيرة، ويزداد الأمر ضررًا وحرجًا بوجود الأولاد الذين يصعب على الزوج تدبير أمورهم وتوفير جميع احتياجاتهم.
وممّا يجعل أمر الزيارة المتكررة ليس ضروريًا، وجود وسائل التواصل الحديثة التي تمكّن المرء من رؤية ومحادثة مَنْ يشاء على نحو تجعله يطمئنّ على أحبابه ويطفئ كثيراً من أشواقه إليهم.
ومسألة الزيارة من المسائل التي قد يحصل الخلاف عليها بين الزوجين، ويستغلّها الشيطان لزراعة الشقاق والبغضاء بينهما، وعلى الزوجين أنْ يكونا أكثر وعيًا وتسامحًا وسهولة، ويتخطيا هذا الأمر بشيء من الحوار اللطيف الذي يدعو إلى مزيد من الألفة والعطاء؛ فالإبقاء على سلامة الأسرة وجوّها الهادئ أهمّ من جميع الأمور الداعية للخلاف.
واللهَ سبحانه أسأل لكم التوفيق والسداد وراحة البال.
والله جلّ جلاله أحكم وأعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على خير الرجال، سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه ما تعاقبت الأجيال.