13/04/2019

السؤال:

سيّدي قلبي ميت ولا أهتم لشيء وليس لي ميل شهوي لأي شيء وأشعر أنّي من الأشقياء وأنه لا فائدة منّي فما هذه الحالة التي أمرّ بها مع أني سلكت الطريق لله من قبل وشعرت بسعادة وراحة وطمأنينة ولكن شيئا فشيئا وصلت إلى حال أسوء من ذي قبل؟ وأردت السلوك على شيخ ولكن أخبرني بأنّه ليس الآن فما الحلّ إن وجد أصلا؟ وجزاكم الله خيرا وفتح عليكم.

الاسم: أبو بكر

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا على تواصلك مع هذا الموقع المبارك.

وبعد:

فأرجو أنْ تتحلّى بروح التفاؤل والأمل وتتجنّب اليأس والملل؛ قال ربّنا جلّ وعلا:-

{— وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [سورة سيّدنا يوسف عليه السلام: 87].

إنّ نعمة الهداية والتوبة من أعظم نِعَم الله عزّ وجلّ على المسلم، وتغيير حاله للأحسن ممّا يقرِّبه إلى الله جلّ في علاه أكثر، وفي العادة يُقبل التائب على الطاعة إقبالاً عظيماً إذ يحاول تعويض ما فاته من العمر الذي قضاه في المعصية والضلال؛ وهذا الأمر طبيعي بالنسبة لكلّ صادق في توبته، وقد ذكَره نبيّنا الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم، وبيَّن ما يحصل بعده من برود وفتور في الهمّة، وهذا أمر طبيعي أيضاً، لكن الخطر على صاحب هذه التوبة أنْ يكون فتوره وبروده في تناقص مستمر إلى أنْ يرجع إلى حاله الأوّل، ولذا كان من الواجب الانتباه إلى هذا الأمر، وعلى التائب الطائع إذا فترت همّته أنْ يقف عند الاعتدال والتوسّط، والتزام السُنّة؛ ليحافظ على رأس ماله، ويحسن الانطلاق مرّة أخرى إلى الطاعة بقوّة ونشاط؛ قال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:

(إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَمَنْ كَانَتْ شِرَّتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ) الإمام ابن حبان رحمه الله تعالى المنان.

ومعنى (إنّ لكلّ شيء شِرَّةً) أي: حرصًا على الشيء ونشاطًا ورغبةً في الخير أو الشر، ومعنى (ولكل شِرَّةٍ فَتْرَةً) أي: وهْنًا وضعفًا وسكونًا.

ولكي يتجنّب المسلم الإفراط والتفريط فعليه بالقصد، وهو التوسّط، فلا يبالغ في فعل العبادة والطاعة؛ لئلا يملَّ فيترك، ولا يتركها كسلاً وتهاونًا لئلا يستمرئ الترك فلا يرجع، وكلا الأمرين ذميم، ومَنْ توسّط في الأمر سَلَكَ، ومَنْ سَلَكَ وَصَلَ إلى ما يحبّه الله سبحانه ويرضاه؛ قال سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ. قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلا أَنَا، إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ، سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا، وَرُوحُوا، وَشَيْءٌ مِنْ الدُّلْجَةِ، وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا) الإمام البخاري رحمه الله الباري جلّ جلاله.

ومعنى (سدّدوا): اقصدوا السداد، أي: الصواب، ومعنى (وقاربوا) أي: لا تُفْرِطُوا (أي تشدّدوا) فتُجهدوا أنفسكم في العبادة لئلا يفضي بكم ذلك إلى الملال فتتركوا العمل فَتُفَرِّطُوا (أي تقصروا).

وفيه إشارة إلى الحث على الرفق في العبادة، وعبّرَ بما يدلّ على السير لأنّ العابد كالسائر إلى محلّ إقامته وهو الجنّة.

ومعنى (والقصدَ القصدَ) أي: الزموا الطريق الوسط المعتدل.

واعلم أنّ (أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى المنعم.

فلا تبدأ بقوّة ولا تفتر بالمرَّة، بل اقتصد في الطاعة، وهذا في مقدورك، وكلّما رأيتَ من نفسك نشاطًا فاجعله في طاعة الله سبحانه، وكلّما رأيتَ فتوراً ومللاً فارجع إلى التوسّط.

وأنصح جنابك بمرافقة الصالحين الصادقين رضي الله تعالى عنهم وعنكم فمعهم ترتفع الهمّة وتحيا القلوب؛ قال الحقّ جلّت قدرته:-

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [سورة التوبة: 119].

وينبغي على المسلم دفع الأسباب الموجبة لقساوة القلب والداعية لموته، ومنها:

1– البعد عن الأجواء الإيمانية، من حضور مجالس الذكر، والصلاة في جماعة، ومجالسة الصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم.

2– فقدان القدوة الصالحة، والتواصل مع أهل الله جلّ وعلا وهم السادة المرشدون رضي الله تعالى عنهم وعنكم، فهم من أعظم الوسائل الموجبة لتزكية النفوس واستنهاض طاقة القلب للذكر والحضور؛ لذلك لمّا انتقل النبي صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم إلى الرفيق الأعلى ووُرِيَ التراب، قال الصحابة الكرام رضي الله سبحانه عنهم:-

(فَأَنْكَرْنَا قُلُوْبَنَا) الإمام البزار رحمه الله العزيز الغفار.

3– الاختلاط بأهل الغفلة والفسق والفجور من أعظم الأسباب التي تورث قسوة القلب.

4– الانشغال الشديد بأمور الدنيا، وقد ذمّ النبيّ عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين، مَنْ هذه حاله، وعدّه عبدًا للدنيا، فقال:-

(تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّيْنَارِ —) الإمام البخاري رحمه الله عزّ وجلّ.

5– الانشغال بشؤون الأولاد والأهل عن طاعة الله عزّ شأنه القائل:

{إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التغابن: 15].

6– طول الأمل، وقلة ذكر الموت؛ قال تعالى:

{ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الحجر: 3].

7– الإفراط في المباحات من أكل، وشرب، ونوم، وكلام، وخلطة، فكثرة الأكل تبلّد الذهن، وتثقل البدن عن طاعة الله جلّ في علاه، وتغذي مجاري الشيطان في الإنسان، حتى قيل: مَنْ أكل كثيراً شرب كثيراً، فنام كثيراً، فخسر أجراً كثيراً.

والإفراط في الكلام يقسي القلب، والإفراط في مخالطة الناس تحول بين المرء ومحاسبة نفسه والخلوة بها، والنظر في تدبير أمرها، وكذا كثرة الضحك، قال صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه:

(لَا تُكْثِرُوا الضَّحِكَ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ) الإمام ابن ماجة رحمه الله تعالى.

وأرجو مراجعة المشاركات الواردة في باب الزهد والرقائق، وما يتعلق باتخاذ الشيخ المرشد في باب الذكر والتزكية والسلوك في هذا الموقع المبارك، وأسأل الله جلّ وعلا أنْ ييسر أمرك، ويهديك لأحسن الأقوال والأعمال والأخلاق،

والله جلّ جلاله أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.