15/04/2019
الرسالة:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سيدي حضرة الشيخ وحفظكم الله تعالى وأدامكم.  
بودي أن أسأل سؤالا وهو هل يحق لشخص آتاه الله تعالى عِلما لدُنِّياً كسيّدنا الخضر عليه السلام أنْ يتصرّف مثل تصرّفه من الأمّة المحمدية ولا سيما القتل أو خوارق أخرى؟ لأنّ الله جل في علاه قال: (عبداً من عبادنا) ومن تبعيضية أذن الأمر كائن في خلقه في كلّ زمان ومكان.
وأعتذر سيّدي هذا ما فهمته وليس تفسيرا نورونا نوركم الله تعالى.
الاسم: نبيل إبراهيم
 
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
حيّاكم الله سبحانه وحفظكم ورعاكم ونوّرنا وإيّاكم بأنوار الشرع المبارك، وفتح على قلوبنا وقلوبكم أبواب الفهم لكلامه العظيم.
وبعد:
قال الحق جلّ جلاله وعمّ نواله:
{وفوق كلِّ ذي علمٍ عليمٌ} [سورة سيّدنا يوسف عليه الصلاة والسلام: 76].
1- سيّدنا الخضر عليه السلام عبدٌ من عباد الله الصالحين آتاه الله تبارك اسمه رحمةً مِن عنده وعلّمه علماً مخصوصاً منه، وَكَانَ عِلْمُهُ مَعْرِفَةَ بَوَاطِن قَدْ أُوحِيَتْ إِلَيْهِ، هذا ما ذَكَرَتْهُ الآياتُ الكريماتُ في سورة الكهف، وليس في القرآن العظيم ما يدلّ صراحة على نبوّته أو ولايته، ولهذا رجّح كلُّ فريق من العلماء رضي الله جلّ وعلا عنهم وعنكم بحسب ما استبان له، ولمزيد الفائدة ينظر جواب السؤال المرقم (1687) في هذا الموقع الكريم.
 
2- التمسّك بالشرع الشريف فريضةٌ لا ينقطع أمدها ما دامت السماوات والأرض، وعِلْمُنَا مقيّدٌ بالكتاب العزيز والسنّة المطهّرة، فنحن نحكم بالظاهر حتّى يتبيّن خلافه، فسيّدنا موسى عليه الصلاة والسلام كان مصيبًا في تعجّبه، وهو ما يجب أنْ يكون عليه المؤمن بإنكار ما يخالف الشرع المأمور باتباعه، وقد أقرّ له سيّدنا الخضر عليه السلام بذلك فقال:
(يَا مُوْسَى إنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمِنِيْهُ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَهُ لَا أَعْلَمُهُ) الإمام البخاري عليه الرحمة والرضوان.
ولمزيد الفائدة ينظر جواب السؤال المرقم (574) في هذا الموقع المبارك.
 
3- العلم اللّدنّي ليس خاصًّا بسيّدنا الخضر عليه السلام، قال ربّنا عزّ شأنه:
{فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا} [سورة الكهف: 65].
فـ (مِن) للتبعيض، وهذا يدلّ على أنّ هناك عبادًا لله تعالى مبثوثين في الأرض لهم عِلمٌ لا يعلمه الآخرون، لكنّ هذا لا يدلّ على أنّ لهؤلاء العباد الصلاحية في فعل ما يفعله سيّدنا الخضر عليه السلام خصوصاً؛ لأنّ الكلّ محكومون بشريعة الإسلام، قال الإمام السبكي رحمه ربّنا المنّان:
(ما فعله الخضر عليه الصلاة والسلام مِن قتل الغلام لكونه طبع كافراً، مخصوص به، لأنّه أوحي إليه أنْ يعمل بالباطن، وخلاف الظاهر الموافق للحكمة، فلا إشكال فيه، وإنْ عُلم من الشريعة أنّه لا يجوز قتل صغير لا سيما بين أبوين مؤمنين، ولو فرضنا أنّ الله أطلعَ بعض أوليائه، كما أطلعَ الخضر عليه السلام، لم يجز له ذلك) محاسن التأويل (7/ 56).
ولمزيد الفائدة ينظر جواب السؤال المرقم (634) في هذا الموقع المبارك.
 
4- آيات القصّة فيها هدايات كثيرة لا يتّسع المقام لذكرها ومن أهمها:
عدم الافتتان بالعلم.
ومنها: معرفة أنّ فوق كلِّ ذي علم عليم، وأنّه لا أحد يملك العلم الشامل إلّا العليم العلّام تعالى شأنه وتقدّست ذاته، قال سيّدنا الخضر عليه السلام لسيّدنا موسى عليه الصلاة والسلام عندما رأى الطائر يأخذ من الماء:
(يَا مُوْسَى مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ إلَّا كَنَقْرَةِ هَذَا العُصْفُوْرِ فِي البَحْرِ) الإمام البخاري رحمه ربّنا الباري.
ومنها: استحباب تعلّم العالم ممّنْ هو أعلم منه، لأنّ العلم بحرٌ لا ساحلَ له، فقد تعلّم كليمُ الرحمن عليه الصلاة والسلام من عبد صالح من عباد الله تعالى، فما مِن عليم بأشياء إلّا ويجهل أشياء أخرى، سواء فيما يتعلّق بعلوم الدنيا أم بعلوم الآخرة.
وأختم بما قال الإمام ابن عابدين رحمه الله جلّ وعلا:
هذا ما ظهر لِفَهميَ السقيم، {وفوق كلّ ذي علم عليم} [سورة يوسف عليه الصلاة والسلام: 76].
وصلِّ اللهمّ على فاتح باب العلم وعين اليقين سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والله جلّ جلاله أعلم.