16/04/2019
الرسالة:
ما الحكمة من بعث النبيّ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم بعد جميع الأنبياء والرسل؟
الاسم: عبد الله آل محمود
 
الرد:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أشكر جنابك الكريم على تواصلك مع هذا الموقع المبارك، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يثقّل بذلك ميزانك، ويضاعف حسناتك، إنّه سبحانه سميع مجيب.
قبل الإجابة على سؤالك أودّ أنْ أنبّه إلى ضرورة البدء بالسلام قبل السؤال، فهي التحية الطيبة المباركة التي أكرمنا الله جلّ وعلا بها، قال سبحانه:
{— فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [النور: 61].
وقال نبيّنا الأكرم صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:
(مَنْ بَدَأَ بِالسَّلَامِ فَهُوَ أَوْلَى بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد جلّ جلاله.
ومعنى (أَوْلَى بِاللهِ وَرَسُوْلِهِ) أي أقرب إلى الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام من المُسَلَّمِ عليه لأنّه بدأ بالسلام قبله، وفي هذا دليل على تواضعه وقيامه بالسنّة.
أمّا بالنسبة إلى سؤالك فإنّ الله جلّت قدرته أرسل الأنبياء والرسل بشكل عام ليكونوا مبشرين ومنذرين، قال سبحانه:
{رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 165].
وقال:
{وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ —} [الأنعام: 48].
أي يبشرون أهل الطاعة بالرحمة والمغفرة والرضوان، وينذرون أهل المعصية بالذلّ والخيبة والخسران.
أمّا تأخّر بعثة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام على إخوانه من الأنبياء والمرسلين عليهم السلام فلحكم كثيرة، منها:
1- أنّ رسالة الأنبياء الذين سبقوه عليهم الصلاة والسلام كانت لأقوامهم خاصة، أمّا رسالة سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه فإنّها للنّاس كافة، قال ربّنا جلّ جلاله وعمّ نواله:
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سبأ: 28].
وقال صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه:
(أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي الغَنَائِمُ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ وعلا.
ومن المعلوم أنّ الرسالة الشاملة لعموم البشرية، بل للثقلين جميعا، إذا ابتدئ بها فلن يكون لما بعدها معنى، بل سيكون تقديمها بمثابة تقديم الناسخ على المنسوخ!
ولهذا كانت شريعته صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم مهيمنة على الشرائع التي سبقت، قال الحقّ عزّ شأنه:
{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا —} [المائدة: 48].
قال سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين:
(لَا تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوكُمْ، وَقَدْ ضَلُّوا، فَإِنَّكُمْ إِمَّا أَنْ تُصَدِّقُوا بِبَاطِلٍ، أَوْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، مَا حَلَّ لَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي) الإمام أحمد رحمه الله عزّ وجلّ.
2- أنّ البشرية مرّت بمراحل وكانت الشرائع تناسب أحوالها، ثم ختم الله الشرائع بشريعة سيّدنا محمد صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه أهل الفضل والمجد، لمناسبتها لهذا الختم من وجوه، قال الدكتور عبد الكريم زيدان رحمه الله سبحانه:
(وقد ختم الله رسالته بالرسالة الإسلامية التي أوحى بها إلى نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم، وجعله خاتم الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40]، وإنما ختمت الرسالة برسالة الإسلام الخالدة، لكمالها ووفائها بحاجات البشر إلى يوم القيامة، فلا داعي لرسالة أخرى، قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا —} [المائدة: 3]، أصول الدعوة (ص: 26).
فقد جاءت رسالته عامّة شاملة لكلّ أسس التقويم والهداية التي جاءت في الكتب السماوية وزائدة عليها حتى تكون مُصْلِحَة لكلّ زمان ومكان.
3- سبق في علم الله عزّ وجلّ أنّ العالم كلّه سيصبح قرية واحدة في آخر الزمان، وبالتالي فإنّ الرسالة العامّة الشاملة لأهل الأرض جميعهم إنْسًا وجِنًّا لابدّ أنْ يتحمّلها مَنْ هو أهلٌ لها، ولا مؤهَّلَ لذلك إلا سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه، لكمالاته التي لا تنتهي، ورقيّه الروحي الذي لا يُدانى، وليس في هذا انتقاصٌ من قدر الأنبياء الذين سبقوا عليهم الصلاة والسلام – حاشاهم – بل هو الفضل الذي يؤتيه الله جلّ وعلا مَنْ يشاء، ويخصّ به مَنْ يشاء.
4- أيضًا سبق في علمه جلّ جلاله أنّ العالم سيتطوّر، والعلمَ سينتشر، والثقافة ستعمّ، حتّى يصل هذا العالم إلى الذروة فيما هو مقدور له، والرسالات السابقة لا تنسجم مع هذه العقول والثروة المعلوماتية في جميع مجالات الحياة، فوجب أنْ تكون الرسالة الخاتمة مستوعبة لكلّ هذا، فختم الله جلّ وعلا الرسالات ببعثة سيّد السادات عليه أتمّ السلام وأفضل الصلوات وعلى آهل وصحبه أهل الطاعات، لأنّها الأكثر استيعابًا وهيمنة، لذا جعل الله عزّ وجلّ الكتاب الذي أنْزِل على قلب حبيبه المبجّل صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ على طريقته أقبل، تبيانًا لكلّ شيء فقال:
{— وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89].
وقال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:
(كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، وَهُوَ الفَصْلُ لَيْسَ بِالهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنْ ابْتَغَى الهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ، هُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الأَهْوَاءُ، وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الأَلْسِنَةُ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ العُلَمَاءُ، وَلَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ} [الجن: 2]، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هَدَى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى.
5- قال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه:
(إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ) الإمام القضاعي رحمه الله عزّ وجلّ.
فكأنّ الأخلاق كانت ناقصة ولم تكتمل وتتمّ إلا ببعثته عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، كيف لا وقد قال الحقّ سبحانه فيه:
{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4].
6- أراد الله جلّ في علاه أنْ يرحم عباده ببعثة هذا النبيّ الكريم عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه المكرمين باعتباره خاتم الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، والختام مسك، والأمور بخواتيمها، فناسب أنْ يختم الله عزّ وجلّ أنبياءه ورسله بهذه الرحمة، قال سبحانه:
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].
وقال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ) الإمام الحاكم رحمه الله تعالى.
7- أنّ ذلك ممّا أكرم الله جلّ وعلا نبيّه صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم وخصّه به وفضّله على غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال عزّ شأنه:
{تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ —} [البقرة: 253].
وقال جلّ جلاله:.
{وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ} [الإسراء: 55].
وكان أعظم هذا الفضل والتفضيل من نصيب نبيّنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم، قال الحقّ تبارك وتقدّس:
{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113].
وقال:
{— إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا} [الإسراء: 87].
وَعَنِ الإمَامِ قَتَادَةَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى قَالَ:
(كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَرَأَ: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ} [الأحزاب: 7]، يَقُولُ: بُدِئَ بِي فِي الْخَيْرِ، وَكُنْتُ آخِرَهُمْ فِي الْبَعْثِ) الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله جلّ جلاله.
وفي رواية أخرى قال:
(كُنْتُ أَوَّلَ النَّبِيِّينَ فِي الْخَلْقِ وَآخِرَهُمْ فِي الْبَعْثِ) الإمام الطبراني رحمه الله عزّ وجلّ.
وقال:
(إِنِّي عَبْدُ اللهِ لَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ —) الإمام أحمد رحمه الله سبحانه.
وبالتالي يجب الإيمان بأنّ الله جلّ وعلا له الحكمة البالغة، وهو الفعّال لما يريد، يخلق ما يشاء ويختار، لا يُسأل عمّا يفعل، يُكرِمُ مَنْ شاء من عباده بما شاء، كما قال سبحانه:
{يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [آل عمران عليهم السلام: 74].
وصلى الله تعالى وسلم وبارك على صاحب القلب الطاهر، والنور الباهر، والعلم الزاخر، الجامع لجميع المفاخر، في الباطن والظاهر، سيّدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أهل الشيم والمآثر.
والله جلّ جلاله أعلم.