18/04/2019
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أسال الله العظيم ربّ العرش العظيم أنْ يمنّ عليك بالصحة والعافية وأنْ ينفعنا بك سيّدي.
سمعت من أحد الدعاة الذين يظهرون على القنوات الفضائية أنّ الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم أخطأ، واستدلّ بموضعين في القرآن الكريم وهما قوله تعالى: {عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} [التوبة/43]، وقوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى} [عبس/1-2]
وقد آلمني قوله أخطأ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
أين العصمة للأنبياء على نبينا وعليهم الصلاة والسلام؟
فهل يصح قول هذا الداعية؟ أفيدونا يرحمكم الله تعالى.
الاسم: عدي
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأل الله سبحانه لي ولكم ولجميع المسلمين العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
أخي الحبيب: تألمّك حالة طبيعية وفطرية في قلب المؤمن، وهو يدلّ على معرفة بمقام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وتعظيمهم، وهذا التعظيم هو الأمر الذي حفّز العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم إلى الخوض في مسألة متعلّقة به ألا وهو عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الدائمين إلى يوم الدين.
فقد اتفقوا على أنّ العصمة ثابتةٌ لهم في تحمُّلِ وتبليغ الرسالة فلا ينسَوْن شيئًا ولا ينقصون.
وأنَّهم معصومون مِنْ كبائر الذنوب، ومِنْ كُلِّ رذيلةٍ فيها شَيْنٌ ونقصٌ، وتجري عليهم عوارضُ بشريةٍ عاديَّةٍ كالخوف والغضب والنسيان، وهي فطريةٌ جِبِلِّيةٌ لا تَتنافى مع العصمة بحالٍ.
ولا يقدح فيهم صلوات الله وسلامه عليهم ما كان صادرًا بمقتضى الخبرة البشرية المستفـادة مِنَ التجارب الخاصَّة في الحياة ممَّا يتعلَّق بالمصالح الدنيوية.
وأمّا الصغائر فجوّزها جماعة من السلف وغيرهم، وذهبت طائفة أخرى إلى الوقف في المسألة، وذهبت طائفة أخرى من المحققين إلى عصمتهم من الصغائر كعصمتهم من الكبائر قبل البعثة وبعدها، عمدًا وسهوًا.
فالقول بعصمتهم عليهم الصلاة والسلام من جميع ما ذُكِرَ، هو ما ندين الله تعالى به، ونرجو ثوابه.
على أننّي أخصّ الجناب المعظّم لحضرة أشرف الأنبياء سيّدنا محمد عليه وعليهم الصلاة والسلام إلى يوم الدين بمزيد شرف؛ إذ لم يثبت عنه شيء من ذلك، كيف وقد عصمه الله جلّ شأنه قبل النبوّة فأحاطه بالحفظ عن السفاسف، ولم يُعلم عنه الإلمام بصغيرة ولا الدنوّ من شيء منها، مع أنّ سبل النقل عنه أحصت كلّ حركة وقول من حركاته وأقواله، صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم.
أمّا بالنسبة لقوله تعالى:-
{عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعۡلَمَ ٱلۡكَٰذِبِينَ} [التوبة/43].
ففيها معاتبةُ اللهِ سبحانه لنبيِّه عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام في قَبوله أعذارَ المتخلِّفين عن الغزو.
والقول بأنّه أخطأ، هو الخطأ؛ لأنّ الخطأ لا يعرف إلّا بعد بيان الصواب والمسألة لم يكن فيها بيان، قَالَ سيّدنا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ رضي الله تعالى عنه:
(اثْنَانِ فَعَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِهِمَا: إِذْنُهُ لِلْمُنَافِقِينَ وَأَخْذُهُ الْفِدْيَةَ مِنْ أُسَارَى بَدْرٍ، فَعَاتَبَهُ اللَّهُ كَمَا تَسْمَعُونَ.
وقَالَ سَيِّدُنَا ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا عَنْهُ:
لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِفُ الْمُنَافِقِينَ يَوْمَئِذٍ) تفسير الإمام البغوي رحمه الله تعالى (2/ 354).
والآية فيها معاتبة رقيقة لحضرة الحبيب صلّى الله عليه وسلّم وصحبه أجمعين،
فعن سيّدنا عون رحمه الله تعالى قال: هل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا؟ بدأ بالعفو قبل المعاتبة فقال: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} والعفو لا يُوجِبُ الذَّنْبَ بالضرورة، لإِنَّ الرَّجُلَ يَقُولُ لِغَيْرِهِ إِذَا كَانَ مُعَظَّمًا عِنْدَهُ، عَفَا اللَّهُ عَنْكَ مَا صَنَعْتَ فِي أَمْرِي فَلَا يَكُونُ غَرَضُهُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ، إِلَّا مَزِيدَ التَّبْجِيلِ وَالتَّعْظِيمِ. وَعِنْدَ هَذَا، يُحْمَلُ قَوْلُهُ: لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ عَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى وَالْأَكْمَلِ، لَا سِيَّمَا وَهَذِهِ الْوَاقِعَةُ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحُرُوبِ وَمَصَالِحِ الدُّنْيَا.
ولا يخفى أنّه لم يكن في خروجهم مصلحة للدين أو منفعة للمسلمين بل كان فيه فساد وخبال حسبما نطق به قوله تعالى:
{لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا وَلأوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [التوبة/47].
وقد كره سبحانه خروجهم كما يفصح عنه قوله جل وعلا:
{وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} [التوبة/46].
فالأولى تأخير الإذن حتى يظهر كذبهم ويفتضحوا على رؤوس الأشهاد، ولا يتسنّى لهم الابتهاج فيما بينهم بأنّهم غَرّوه صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم.
وذهب بعض السلف رضي الله تعالى عنهم وعنكم إلى أنّ الله جل ثناؤه قد أذن له بعد ذلك، قال قتادة رحمه الله جلّ وعلا: عاتبه كما تسمعون، ثمّ أنزل التي في سورة النور، فرخَّص له في أنْ يأذن لهم إنْ شاء {فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ} [النور/62].
أمّا قوله تعالى اسمه {عَبَسَ وَتَوَلَّى} [عبس/1].
فقد بدأت هذه الآيات بالإخبار عن حال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه إذ جاءه سيّدنا عبد الله بن ام مكتوم رضي الله تعالى عنه يطلب الهداية والعلم منه، وكان عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام مشغولاً مع صناديد قريش وأعيانها فأعرض عنه، ولكن الله جلّ وعلا عاتبه؛ حتى لا تنكسر قلوب الضعفاء والمساكين؛ وما فعله النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم كان نوعًا من المصلحة؛ لأنّه بإسلام هؤلاء القوم تُسلم القبيلة كلّها، إلّا أنّ الله جلّ جلاله وجَّهه إلى الأوْلَى والأحسن، وهو أنّ النظر إلى المؤمن وإنْ كان فقيرًا أصلح وأولى من الإقبال على الأغنياء طمعًا في إيمانهم.
وقد كان الخطاب بضمير الغيبة تلطفًا بسيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه، ولم يقل: عبَسْتَ وتَوَلَّيْتَ بلفظ المخاطب، لإيهام أنّ مَنْ صدر عنه هذا الفعل ليس هو صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم، والسامع لهذه الآيات الكريمات للمرة الأولى لا يعلم مَنْ هو المقصود بها، وإنْ علم فليس في الأسلوب شدّة أو نقمة إنّما توجيه للأحسن والأصوب.
وهذا درس تربوي وتوجيه إلهي ليبيّن لرسوله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه المكرمين أنّه لا ينبغي له أنْ يلتفت إلى الأشخاص، ومكانتهم في الحياة الدنيا وتكثير عدد المسلمين بكثرتهم، لأنّه في هدايته قدوة عامة خالدة يتأسى بها كلّ مَنْ تشرّف باتباعها.
والذي يقع في قلبي أنّ العتاب نوعان: عتاب على الشخص، وعتاب للشخص، وأنّ الله سبحانه عاتب نبيّه لأجل نبيّه رحمة به ولطفا؛ لأنّه كان يحمّل نفسه ما لم يأمره به ربّه مِن شدّة رحمته بالخلق قاصدًا استدرار رحمة الله جلّ وعلا ولطفه سبحانه بهم بحسب ما يتطلبه الحال في كلّ مسألة، فصلّى الله تعالى على صاحب الجاه الأكرم عند ربّه الأعظم سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم، ما توجهت إلى ربّها الهمم.
والله جلّت قدرته أعلم.