24/04/2019
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
جزاكم الله عزّ وجلّ عنا وعن المسلمين خير الجزاء لما تقدموه لمنفعة الإسلام والمسلمين.
سيدي الحبيب أنا مقيم في دولة أوربية ونشرب من ماء الحنفية… وعادة نفتح الحنفية لمدة لننتظر نزول الماء البارد لأنّ الدافئ لا يروي… فهل هذا جائز شرعا ولا يعد إسرافا؟
ونرجو دعاءكم … حفظكم الله تعالى وأطال عمركم وامدكم بالعافية وراحة البال.
 
الأسم: المعتز
 
 
الرد:
وعليكم السلامُ ورحمةُ اللهِ تعالى وبركاتهُ.
وجزاكم بمثلهِ وجعلكم من الّذين ينشرون الوعيَ الشّرعي بين النّاس خاصةً في بلادِ الغربة.
لابدّ أنْ نوازن بين القاعدةِ الشّرعية ِالقائلةِ (الأصلُ في الأشياءِ الإباحة) وبين الإسراف الذي حذر منه الشرع الشريف، وهنا يغلبُ جانبُ الإباحة لأنّ اللهَ عزَّ وجلَّ خلقَ الماءَ لأغراضٍ، منها: إرواءُ مخلوقاتهِ، فإنْ لم يتحقّق الإرواءُ إلّا بالماءِ الباردِ فلا بأس في انتظارِ ورودهِ، وهذهِ تختلفُ بين إنسانٍ وآخرَ، فمنهم مَنْ لا يرتوي إلا بالماءِ الشديدِ البرودةِ، ومنهم مَنْ يُفضّل الماءَ الفاترَ، وفي كلّ حالٍ فإنَّ مصلحةَ الإنسانِ هي المرجحةُ وتكريمهُ أولى، لقول الله جلّ وعلا:
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70].
وقوله سبحانه:
{أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً —} [لقمان عليه السلام: 20].
وقوله عزّ شأنه:
{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية: 13].
وقوله جلّ جلاله:
{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ —} [الأعراف: 32].
والطيبات من الرزق هي التي فيها لذّة، وهذه غير حاصلة مع الماء الحار الذي لا يروي، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:
(كَانَ مِنْ دُعَاءِ دَاوُدَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَالعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي وَأَهْلِي، وَمِنَ المَاءِ البَارِدِ ” قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَكَرَ دَاوُدَ يُحَدِّثُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ أَعْبَدَ البَشَرِ) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى.
وبما أنّ حضرتك لم تذكر هل الحنفيةُ في مكانٍ عامٍّ أو في المسكنِ الخاص، فيمكن أنْ أدليّ بتوجيهينِ لكلا الحالتين:
فإنْ كانت في مكانٍ عامٍّ فالأفضلُ أنْ تقومَ من منطلق إسلامكَ المحبِّ للخيرِ لجميعِ النّاسِ باقتراحٍ للبلديةِ للاستفادةِ من الماءِ الذي يذهبُ دونَ فائدةٍ من مئاتِ أو آلافِ الأفرادِ الّذينَ يستعملونَ هذهِ الحنفياتِ، كأنْ يُستعمل في سقي المزروعاتِ، أو التّنظيفِ، أو غيرِ ذلكَ.
أمّا إنْ كانت في مسكنكَ فيُمكنكَ استغلالُ الماءِ الحارِّ أو الفاترِ للوضوءِ أو جمعهُ وإعادةُ استعمالهِ إمّا بتبريدهِ أو استعمالهِ لسقيِ المزروعاتِ الداخليةِ إنْ وُجدت، أو التّنظيفِ وغيرها، أو أنْ تنصب مضخّةً تداورُ الماءَ بين الخزّانِ والحنفيّةِ بحيث يأتي الماءُ الباردُ فوراً، وهي نفسُ المضخّةِ الّتي تُستعمل في مداورةِ الماء الّذي يأتي من السخّانِ البعيدِ عن الحنفياتِ بحيث يأتي الماءُ الساخنُ فورَ فتحِ الحنفيةِ.
وأرجو مراجعةُ جواب السؤالِ المرقّمِ (1817) في هذا الموقعِ المباركِ.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على خير الرجال، سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه ما تعاقبت الأجيال.
والله سبحانه وتعالى أعلم.