01/05/2019
السؤال:
السلام عليكم سيّدي ورحمة الله تعالى وبركاته.
أحد الأخوات تسأل بأنّها متزوجة وزوجها مستأجر مطعما مع قاعة فيها مغنّون وموسيقيون، فهي تستحرم الأكل من دخل هذا المطعم ونصحت زوجها ولكنّه رفض وغضب منها. علما أنّها لا تملك مصدر دخل مستقل تصرف منه على نفسها وأولادها. فسؤالها ماذا تفعل معهُ ومع هذا الحال؟ مع الشكر وجزاكم الله تعالى عنا خيرا.
الاسم: حسين علي
الرد:
وعليكمُ السّلامُ ورحمةُ اللهِ تعالى وبركاتُه.
المعلومُ أنَّ نفقةَ الزوجةِ واجبةٌ على زوجِها بإجماع أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم، بغضِّ النّظرِ عن مصدرِ الرّزقِ، وهيَ غيرُ مسؤولةٍ عنهُ خاصةً بما يتعلّقُ بنفقاتِها الأساسيّة الضروريةِ من مأكلٍ وملبسٍ وسكنٍ وتداوٍ، قال الحقّ سبحانهُ:
{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ —} [النساء: 34].
وعلى الزوجِ أنْ يُراعي تحصيلَ الحلالِ والابتعادِ عن الحرامِ والشبهاتِ قدر الإمكانِ لأنّهُ هو المحاسَبُ أمامَ اللهِ عزّ وجلّ، وأرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (9، 182، 1850)، والمشاركات المرقمة (103، 125، 265) في هذا الموقع المبارك.
فإذا ارتابت الزوجةُ من رزقِ زوجِها أو تأكّدّت من ذلك فعليها أنْ تنصحهُ بالحُسنى وتذكّرهُ اللهَ جلّ وعلا أنْ يتقيهِ فيها وفي أولادها، وأنْ لا يُطعمهم من الحرام، وأرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (312، 1763) في هذا الموقع الكريم.
أمّا في موضوعِ الأختِ السّائلةِ فإنَّ أساسَ عملهِ (مطعم) فهي مهنةٌ حلالٌ في أصلِها، وأمّا ما يصاحبُها من غناءٍ وموسيقى والّذي لم نطّلع على طبيعتهِ والكلماتِ التي تُقالُ فيهِ، فإذا اعتبرناها من المحرّماتِ فهي مصاحبةٌ للحلالِ الأصليّ وهو الطعامُ دونَ أنْ تدخلَ في صلبهِ، فنحنُ نُحسنُ الظنَّ بمَنْ يأتونَ للمطعمِ على أساسِ ما يحتاجونهُ من أكلٍ وشُرب، ولا يُمكنُ في هذه الحال اعتبارُ كلِّ واردِ المطعمِ حراماً، فهو إمّا حلالٌ، أو حلالٌ فيهِ شبهةٌ، أو حلالٌ دخلَ فيهِ شيءٌ من حرامٍ، وهذا حَسبَ معرفتنا لتفاصيلِ المُوسيقى والغناءِ كما أسلفت.
وقد بيّن الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم حكم المال المختلط فقالوا:
لا حرج على مَنْ أكلَ أو أخذ منه، أو تعامل معه، لقول الله جلّ في علاه:
{الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ —} [المائدة: 5].
ومن المعلوم أنّ أهل الكتاب كانوا يتعاملون بالربا، وأموالهم مختلطة.
ولأنّه ثبت عن النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام أنّه اشترى من يهودي طعامًا ورهنه درعه، فعَنْ سَيِّدِنَا أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ:
(أَنَّهُ مَشَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخُبْزِ شَعِيرٍ، وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ، وَلَقَدْ رَهَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِرْعًا لَهُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ يَهُودِيٍّ، وَأَخَذَ مِنْهُ شَعِيرًا لِأَهْلِهِ. وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَا أَمْسَى عِنْدَ آلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاعُ بُرٍّ، وَلاَ صَاعُ حَبٍّ، وَإِنَّ عِنْدَهُ لَتِسْعَ نِسْوَةٍ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
والإهَالَة: هي المذاب من الألْية، وقيل: هو الدهن الذي يُؤتدم به مطلقاً.
وَالسَنِخَة: متغيرة الرائحة من طول الزمان.
قال الإمام الدسوقي رحمه الله تعالى:
(اعْلَمْ أَنَّ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَلَالٌ وَأَقَلُّهُ حَرَامٌ الْمُعْتَمَدُ جَوَازُ مُعَامَلَتِهِ وَمُدَايَنَتِهِ وَالْأَكْلِ مِنْ مَالِهِ —، وَأَمَّا مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ وَالْقَلِيلُ مِنْهُ حَلَالٌ فَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ كَرَاهَةُ مُعَامَلَتِهِ وَمُدَايَنَتِهِ وَالْأَكْلِ مِنْ مَالِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ —، وَأَمَّا مَنْ كَانَ كُلُّ مَالِهِ حَرَامٌ وَهُوَ الْمُرَادُ بِمُسْتَغْرِقِ الذِّمَّةِ فَهَذَا تُمْنَعُ مُعَامَلَتُهُ وَمُدَايَنَتُهُ وَيُمْنَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ الْمَالِيِّ وَغَيْرِهِ) الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (3/277).
وقال الإمام الغزالي رحمه الله عزّ شأنه:
(القسم الثالث: أنْ يختلط حَرَامٌ لَا يُحْصَرُ بِحَلَالٍ لَا يُحْصَرُ كَحُكْمِ الأموال في زماننا هذا — والذي نختاره — أنَّهُ لَا يَحْرُمُ بِهَذَا الِاخْتِلَاطِ أَنْ يُتَنَاوَلَ شَيْءٌ بِعَيْنِهِ احْتَمَلَ أَنَّهُ حَرَامٌ وَأَنَّهُ حَلَالٌ إِلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِتِلْكَ الْعَيْنِ عَلَامَةٌ تَدُلُّ عَلَى أنَّهُ من الحرَامِ فإنْ لم يكن في الْعَيْنِ عَلَامَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْحَرَامِ فَتَرْكُهُ وَرَعٌ وَأَخْذُهُ حَلَالٌ لَا يَفْسُقُ بِهِ آكِلُهُ.
فما عُلِمَ في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين بعده إذ كانت أثمان الخمور ودراهم الربا من أيدي أهل الذمّة مختلطة بالأموال وكذا غلول الأموال وكذا غلول الغنيمة ومن الوقت الذي نهى صلى الله عليه وسلم عن الربا إذ قال أول ربا أضعه ربا العباس، ما ترك الناس الربا بأجمعهم كما لم يتركوا شرب الخمور وسائر المعاصي — وكذلك أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمراء الظلمة ولم يمتنع أحد منهم عن الشراء والبيع في السوق بسبب نهب المدينة — وكان من يمتنع من تلك الأموال مشاراً إليه في الورع والأكثرون لم يمتنعوا مع الأخلاط وكثرة الأموال المنهوبة في أيام الظلمة.
ومن أوجب ما لم يوجبه السلف الصالح وزعم أنه تفطن من الشر ما لم يتفطنوا له فهو موسوس مختل العقل ولو جاز أن يزاد عليهم في أمثال هذا لجاز مخالفتهم في مسائل لا مستند فيها سوى اتفاقهم — وذلك محال فإنّهم أولى بفهم الشرع من غيرهم، وأمّا القياس فهو أنّه لو فتح هذا الباب لانسد باب جميع التصرفات وخرب العالم إذ الفسق يغلب على الناس ويتساهلون بسببه في شروط الشرع في العقود ويؤدي ذلك لا محالة إلى الاختلاط.
فإنْ قيل: هذا معلوم فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم وزمان الصحابة بسبب الربا والسرقة والنهب وغلول الغنيمة وغيرها ولكن كانت هي الأقل بالإضافة إلى الحلال فما تقول في زماننا وقد صار الحرام أكثر ما في أيدي الناس لفساد المعاملات وإهمال شروطها وكثرة الربا وأموال السلاطين الظلمة فمن أخذ مالاً لم يشهد عليه علامة معينة في عينة للتحريم فهل هو حرام أم لا؟
فأقول: ليس ذلك حراما وإنّما الورع تركه). إحياء علوم الدين (2/ 104).
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّد المرسلين وإمام المتقين نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والله جلّ جلاله أعلم.