02/05/2019
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سيّدي وقرة عيني، أسأل الله تعالى أنْ يرفع مقامكم في أعلى عليين، ويجزيكم خير الجزاء عن الإسلام والمسلمين بجاه سيّد الأنبياء والمرسلين عليه الصلاة والسلام.
السؤال: في الأحداث التي مرّت بها محافظة صلاح الدين من التهجير للمواطنين ثمّ تمّ تحريرها بعد ذلك، كان في منطقة جزيرة تكريت (وهي منطقة زراعية ريفية) الكثير من الأنعام (الغنم والبقر وغيرها) فحصل نهبٌ وسرقةٌ لهذه الأنعام قبل رجوع الأهالي إلى ديارهم ،وتمّ نقل الكثير منها إلى محافظات أخرى فنصبت الأجهزة الأمنية سيطرة لمنع ذلك عند منطقة (قصر العاشق في سامراء) على الطريق المؤدية إلى محافظة بغداد، وأصدرت الأمر بإنزال أي شيء من تلك الأنعام وإطلاقها في منطقة (سد سامراء) وبالأخص البقر، وذلك قبل ثلاثة أعوام ، وإلى اليوم البقر يعيش على شكل قطعان ويتكاثر ويزداد عدده في تلك البرية حتّى تغيّرت صفاته وأصبح مستوحشًا يختلف عن بقر التربية ، وفي هذه الأيام بصعود المياه في برية (سد سامراء) نزحت هذه القطعان من البقر إلى منطقة (جزيرة تكريت) وهي ترعى الآن في حقول الأهالي مسببة الخسائر الزراعية لهم، بالإضافة إلى أنّها تؤذي مَنْ يريد طردها من حقوله وزرعه.
فما هو رأى الشرع الشريف في التعامل معها؟ هل يجوز صيدها وترويضها لتكون أليفة؟ وهل يجوز قتلها في حالة عدم التمكّن من صيدها لأنّ البعض منها صعب المراس ويؤذي كلّ مَنْ يقترب إليه ويسبب الضرر للمحاصيل الزراعية؟
الاسم: عبد الرزاق علي حسين
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأل الله جلّ جلاله أنْ ينير لنا ولكم درب الحياة بطاعته، وأنْ يمُنَّ علينا باتباع شرعه وهدي نبيه صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم.
وبعد:
فإذا عُلِم أنّ هذا المال مسروق ولم تتمكن من معرفة صاحبه ويئست من معرفته، فالأفضل أنْ يصرف في مصالح المسلمين العامة، أو ينفق منه على المحتاجين.
فإنْ أمكن ترويضه والتصرّف به بما ذكرت فهو الأفضل وإلّا فقد اختلف أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم في أكل الحيوان الإنسي إذا توحّش أو ندَّ ولم يقدر على ذكاته إلى مذهبين:
الأول: يُباحُ اصطيادُ الحيوانِ الأهليِّ إذا تَوَحَّش ولم يُقدَرْ على ذَكاتِه، بعقره في أي مكان من جسمه أي كالصيد ويسمّى هذا ذكاة الضرورة، وهذا مذهبُ جمهورِ الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم واستدلوا بما يأتي:
1-عن سيدنا رافِعِ بنِ خَدِيجٍ رضي الله جلّ وعلا عنه، قال:
(قُلتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، إنَّا لَاقُو العَدوِّ غَدًا، وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى (أي سكّين)، فَقَالَ: أَعْجِلْ- أو: أَرْني-، مَا أَنهَرَ الدَّمَ (أي أسَالَهُ) وذُكِرَ اسمُ اللهِ فكُلْ، ليس السِّنَّ والظُّفُرَ، وسأُحَدِّثُك: أمَّا السِّنُّ فعَظْمٌ، وأمَّا الظُّفُرُ فمُدَى الحبشةِ. وأَصَبْنا نَهْبَ إبلٍ وغَنَمٍ، فنَدّ منها بعيرٌ (أي هَرَبَ)، فرَماهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فحَبَسَهُ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّ لِهَذِهِ الإبِلِ أَوَابِدَ كَأوَابِدِ الوَحْشِ، فَإذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ فَافْعَلُوْا بِهِ هَكَذَا) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
والأوابد جمع آبدة، وهي التي قد تأبّدت، أي توَّحشت ونفرت من الإنس والمراد أنَّ لها توحشا، فأي بهيمة من هذه البهائم تهرب وتنفر فارموه بسهم ونحوه.
2- قال سيّدنا عبد الله بنُ عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما:
(ما أَعجَزَكَ مِنَ البهائمِ ممَّا في يدَيْكَ فهو كالصَّيْدِ) الإمام البخاري رحمه ربّنا المتعالي.
3- إنَّ الاعتِبارَ في الذَّكاةِ بحالِ الحيوانِ وقْتَ ذبْحِه، لا بأصْلِه، بدليلِ الوَحْشيِّ إذا قُدِرَ عليه وجَبَتْ تذْكِيَتُه في الحَلْقِ واللَّبَّةِ، فكذلك الأهليُّ إذا تَوَحَّشَ يُعتبَرُ بحالِه.
4- إنَّ الإنسيَّ إذا تَوَحَّشَ يَكونُ في معنَى الصَّيْدِ.
5- أنَّ البعيرَ إذا نَدَّ أَقوَى شَبَهًا بالوَحْشِ ممَّا وَقَع في حفرةٍ، وقد أُبيحَ تَذْكِيَتُه كيف كانت؛ فهذا أَوْلى.
المذهب الثاني: أَنَّ جَمِيعَ الْحَيَوَانَاتِ الْمُستَأَنَسَةِ إِذَا نَدَّتْ فَإِنَّهَا لاَ تُؤْكَل بِالْعَقْر وهذا مذهب السادة الْمَالِكِيَّةُ رضي الله تعالى عنهم وعنكم، لأِنَّ الأْصْل أَنْ يَكُونَ الْمَصِيدُ وَحْشِيًّا، واستثنى بعضهم من هذا الحكم البقر إِنْ توحّش فيجوزَ أَكْلُهُ بِالْعَقْرِ، لأِنَّ الْبَقَرَ لَهَا أَصْلٌ فِي التَّوَحُّشِ تَرْجِعُ إِلَيْهِ، لِشَبَهِهَا بِبَقَرِ الْوَحْشِ.
والراجح هو رأي الجمهور لقوّة أدلتهم.
ومن هنا أوجّه ذوي الشأن من المسؤولين أو المؤسسات المدنية والخيرية أو ديوان الأوقاف أنّ يولوا عناية لهذه الثروة، فإنّ الله جلّ في علا سيسألنا عنها، فإنْ لم يتيسّر ذلك فعلى الأقل يقوم ذووا الأمانة من الوجهاء وأهل الخير في تلك المناطق بإنشاء لجان تقوم بهذا العمل، وتبذل جهودًا جبارة للمحافظة على هذه الثروات وجمعها وإفادة المحتاجين منها.
وصلّى الله جلّ اسمه على عبده ورسوله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً كثيرا.
والله تعالى شأنه أعلم.