08/05/2019
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
جزاكم الله جلّ وعلا خيرا على ما تقدّموه من خدمة للناس في هذا الموقع المبارك.
في ظل الظروف التي عشناها، الكثير من الناس سافروا وتركوا أموالهم بيد غيرهم، سواء كانت هذه الأموال نقودًا أو عقارًا أو شيئًا آخر، فما حكم ذلك؟ وبمعنى آخر: ما حكم الأموال التي لا يرعاها أصحابها؟ ولكم مني جزيل الشكر والتقدير.

الاسم: كريم

الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكراً جزيلا على تواصلك الطيّب مع هذا الموقع المبارك.
وبعد:
فإنّ الله سبحانه وتعالى هو الرزاق الكريم، يرزق مَنْ يشاء بغير حساب، وهو مالك المُلك عزّ وجلّ، يملك البشر وما يملكون، وقد جعل الله جلّ وعلا الأموال قياماً للناس، وقسمها بين عباده كما يشاء سبحانه، قال جل جلاله:
{نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا} [سورة الزخرف: 32].
والمال سببٌ لطاعة الله عزّ شأنه وعبادته لأهل الإيمان، ينفقونه في مرضات الله تعالى بعد ما يكتسبونه ممّا أحلّه سبحانه، وأمّا أهل الشرّ والفساد فإنّهم يكتسبونه من الحرام، أو ينفقونه فيه، أو هما معاً، وقد قال جلّ في علاه عن إبليس:
{وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ —} [سورة الإسراء: 64].
ومشاركة إبليس للعباد في أموالهم هو ما يأمرهم به مِنْ إنفاقها في معاصي الله عزّ وجلّ، فكلّ مال عُصي الله تعالى فيه بإنفاق في حرام، أو اكتساب في حرام، فهو من مشاركات إبليس لعنه الله تبارك في علاه، والله جلّ وعلا لا يُحب الفساد، ولقد عرف الناس أهميّة المال وأثره الكبير في صناعة الحياة وحماية الأديان والأوطان، والقرآن الكريم ذكر هذا المفهوم على لسان المنافقين حيث قال تعالى:
{هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا ۗ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ} [سورة المنافقون: 7].
ولأنّ المال من الضرورات التي أمر الشرع الشريف بإيجاده وتنميته والمحافظة عليه، كان من أحكام الشريعة الغرّاء الحِجر على تصرّفات السفيه الذي لا يُحسن استخدام ماله، قال سبحانه:
{وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا} [سورة النساء: 5].
وفي الآية الشريفة دعوة لاستثمار الأموال؛ فقوله تعالى {— وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا —} إشارة لذلك، فكلمة (فيها) تختلف عن كلمة (منها)، ففي الأولى إشارة إلى ضرورة تشغيل الأموال والإنفاق من كسبها، بعكس كلمة (منها) التي يفهم منها الإنفاق من المال حتى ينفد.
ولأهمية الأموال في صناعة الحياة الكريمة ونهضة الأمّة جعل حماية المال والموت دونه شهادة، قال النبي الكريم عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين:
(مَنْ قُتِلَ دُوْنَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيْدٌ —) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد جلّ وعلا.
وعن سيدنا أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه قَالَ:
(جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ. قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: قَاتِلْهُ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: فَأَنْتَ شَهِيدٌ. قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ هُوَ فِي النَّارِ) الإمام مسلم رحمه الله المنعم عزّ وجلّ.
والمال عصب الحياة والوقود الذي به تتحرّك عجلة الاقتصاد؛ ولهذا أمر الله جلّ جلاله بكسبه على وفق الضوابط الشرعية ثمّ استثماره وعدم اكتنازه، قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [سورة التوبة: 34].
فكنز الأموال وعدم وضعها في إطار العجلة الاقتصادية المتحركة سببٌ عظيم للخسارة وتلف الأموال، فترك الأرض مثلاً دون زراعة سببٌ للبوار؛ ومن هنا كان التوجيه الشريف لخاتم النبيين صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم بقوله:
(مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً؛ فَهِيَ لَهُ) الإمام أحمد رحمه الله عزّ وجلّ.
وقال أيضًا:
(مَنْ عَمَّرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
ومثل ذلك فإنّ تَرْكَ الدار دون استخدام سببٌ لحصول التقادم والاندثار فيها، وترك المركبات والمعدّات أيضاً سببٌ لتقادمها وظهور العيوب فيها ممّا يؤدي إلى هبوط أسعارها وخسارة أصحابها، وهذا تلفٌ متعمّدٌ للأموال، منهي عنه في شريعة الإسلام، قال خير الأنام عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:
(إِنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا، — وَيَكْرَهُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ) الإمام مسلم رحمه الله المنعم عزّ شأنه.
وصور إضاعة المال كثيرة جداً، ومنها:
عدم توزيع الميراث بعد موت المورث لما في ذلك من مخالفة للشرع الشريف، وحبس للأموال وعدم تحركها في واقع الحياة، وكلّ ذلك سببٌ لتلف الأموال وعدم استخدامها على وفق الضوابط الشرعية الداعية للمحافظة عليها وتنميتها، وهي تدخل في باب إهلاك الحرث، قال تعالى:
{وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [سورة البقرة: 205].
وإتلاف الأموال بغير حق من جنس التبذير، قال الله سبحانه:
{إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} [سورة الإسراء: 27].
وقال عزّ وجلّ:
{— إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [سورة الأعراف: 31].
والواجب على العباد أن يتأدبوا بما أدبهم الله تعالى به حيث قال:
{وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [سورة الفرقان: 67].
وعلى ما تقدّم وغيره من النصوص الشريفة يتبين لنا أهمية احترام الأموال بأنواعها وضرورة المحافظة عليها، واذا اضطر المرء الى تسليم أمواله لسبب ما مثل استثمارها أو إدارتها أو تركها أمانة عند غيره لهجرته فينبغي عليه أنْ يتخيّر لذلك صاحب الخبرة الأمين، ويُفضّل أنْ يكتبَ لذلك كتاباً موثوقاً لضمان الحقوق فهذا هو منهج الاسلام، قال العليم العلام في بيان هذا المفهوم:
{وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [سورة البقرة: 283].
وخلاصة القول لا ينبغي للمسلم ترك أمواله دون متابعة ورعاية واستثمار فهي أمانة عنده، والله تعالى وَكّلَهُ بها للانتفاع منها دون إسراف، وأنْ ينفع الآخرين منها؛ ومنْ هنا جاءت أحكام الزكاة والصدقات والمواريث، وعلى المسلمين أفرادًا وجماعات ودولا أنْ تتضافر جهودهم ويبذلوا كلّ ما في وسعهم من طاقات وخبرات، وعلوم وثقافات، للمحافظة على أموالهم ورعايتها واستثمارها وتنميتها؛ فالاقتصاد من أسباب قوّة ونهضة وتقدّم الأمم ووسيلة فاعلة لنشر الدّين الحنيف، والدعوة الى منهجه المنيف.
وصلى الله تعالى وسلم وبارك على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والله تبارك اسمه أعلم.