2019-07-04
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سيّدي الحبيب حفظكم الله تعالى ورعاكم ونفع بكم، سيّدي ما هي ضوابط منح الإجازة العلمية حيث أنّ العلماء في السابق كانوا لا يجيزون الطالب ما لم يدرس علوم الجادة الاثني عشر، ومن العلماء المعاصرين مَنْ لم يعتمد هذا الشيء، والاجازة الروحية تسبقها إجازة علمية ولكن على منهج الأقدمين أم بغير صورة؟ وجزاكم الله خيرا.
الاسم: سعد
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا على تواصلك مع هذا الموقع المبارك.
وبعد:-
فبما أنّ السؤال متعلق بالإجازة التي يمنحها العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم؛ فإنّه يستوجب ذكر بعض النصوص المباركة التي بيّنت فضل العلم والعلماء ومقامهم الكبير في الدنيا والآخرة على حدٍّ سواء، فالعلماء سادة القوم وقادتهم الأجلَّاء، وهم منارات الأرض، وورثة الأنبياء عليهم السلام، وهم خيار الناس، المرادُ بهم الخير، المستغفَرُ لهم، ولقد مدحهم الله جلّ وعلا في محكم كتابه العزيز فقال:-
{— إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ —} [سورة فاطر: 28].
وقال أيضا:-
{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيْم} [سورة آل عمران عليهم السلام: 18].
وقال سبحانه:-
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [سورة النحل: 43].
وقال:-
{— يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [سورة المجادلة: 11].
وقال معلّم العلماء وخاتم الأنبياء صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
والعلماء هم صمّام أمان للأمّة، فإذا غابوا عنها ضلّت في دينها؛ فعَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله تعالى عنهما قَالَ:-
(سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعاً يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِماً اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوساً جُهَّالاً، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا) الإمام البخاري رحمه الله جلّ في علاه.
وقال:-
(— إِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ وعلا.
ويا لها من مكانة مرموقة، ويا له من فضل كبير، ويا له من تشبيه عظيم يصفه حضرة خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين إذ قال:-
(فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ) الإمام الترمذي رحمه الله عزّ وجلّ.
وقال:-
(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ جلاله.
وجميع ما ذكر في فضيلة العلماء إنّما هو في حقّ العلماء الربانيين المتقين، الذين قصدوا بعلمهم وجه الله الكريم، فكانوا أحقّ النّاس بالمحبة والتعظيم والتوقير بعد الله تعالى، وبعد رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام.
ويقابل هذا الفضل العظيم الذي يفوز به العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم واجبٌ كبير؛ فالواجب على مَنْ رُزق العلم أنْ يتحّمل المشقة في المحافظة عليه، ثمّ نفع الناس به قضاءً وتدريسًا وإرشادًا ودعوةً إلى الله عزّ وجلّ، وفي غير هذا من شؤون المسلمين، حتّى تحصل الفائدة الكبيرة منَ العلم، والثمرة العظيمة منه.
ومن موجبات حفظ أمانة العلم أداء الأمانة لأهله بأمانة، ومن هنا جاءت الإجازات العلمية التي نوّرت سماء حضارة الإسلام مذ بزوغ فجرها وإلى أنْ يرث الله تعالى الأرض ومَنْ عليها وهو خير الوارثين.
والإجازة لغة مصدر فعل (أجاز)، ويتضمّن عدة معان لغوية نصّت عليها المعاجم العربية المعتمدة:-
يقال: (أجاز الشيء) أي: جعله جائزًا. و (الإجازة): الإباحة والتسويغ، و (أجاز الرأي والأمر) أنفذهما.
ومعنى الإجازة العلمية في الاصطلاح: الإذن والترخيص.
وأركان الإجازة: الشيخ (المجيز)، والطالب (المجاز له)، و (لفظ الإجازة).
ومن محسنات الإجازة أنْ يكون (المجيز) عالمًا بما يجيزه، و (المجاز له) من أهل العلم.
وكانت الإجازة في حضارة الإسلام بادئ الأمر في علم الحديث الشريف ثمّ شملت بعد ذلك سائر العلوم الدينية، فأصبحت الإجازات العامّة شاملة لكلّ مقوّمات الثقافة الإسلامية، وهكذا تطوّرت الإجازات العلمية الأصلية من الاقتصار والتخصص في رواية الأحاديث وسماعها إلى الإجازات العلمية العامّة، فشملت مختلف العلوم، وعمّت جميع المعارف الإنسانية في حضارة الإسلام.
والإجازة العلمية شرفٌ كبير، وفضلٌ عظيم، فيه نورُ الوصل والصلة إلى خاتم النبيين صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا عبر سلسلة السادة المشايخ الذين أجازَ السلفُ منهم الخلفَ حتى وصلت إلى الشيخ المجاز الذي قضى شطرًا من عمره في طلب العلم ومصاحبة شيخه والتأدّب بين يديه حتّى يرى شيخه أنّه قد بلغ مبلغًا يؤهله لنيل الإجازة العلمية والتصدّر للفتوى والتعليم، وليس شرطا أنْ يتمّم كلّ العلوم أو علوم الجادة التي ذكرت، إنّما يكفي أنْ يدرس الأصول والعلوم الرئيسة التي سيبني فوقها ما يتحصّل له في قابل أيّامه؛ إذ إنّ الشيخ المجاز سوف لا يخلو من تعلّم وتعليم، وهذا بعض ما يُشترط عليه في أصل الإجازة التي ينالها، ولإنّ العلم نورٌ وعملٌ روحاني بعضه كسبيٌ وبعضه هبةٌ منَ الله تعالى الغني الوهاب فإنّه يبقى هناك أمرٌ خفيٌّ ينقدح في قلب الشيخ المجيز، وشعاعٌ يُضيء في عقله المبارك يجعله ينشرح صدرًا لكي يمنح هذا الطالب أو ذاك الإجازة العلمية، وذلك فضل الله سبحانه يؤتيه مَنْ يشاء والله ذو الفضل العظيم، يرفع درجات منْ يشاء وفوق كلّ ذي علمٍ عليم، والله جلّ ثناؤه يغار على دّينه ويحفظه بحفظه الخفيّ الجميل، ومنْ آثار هذا الحفظ أنْ يشرح صدور العلماء إلى منح الإجازة لمَنْ هو أحقّ بها وأهلها، بَعْدَ أنْ يصلّوا صلاة الاستخارة عملا بإرشاد الحبيب المحبوب صلّى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه الفائزين بتقوى القلوب، فَعَنْ سَيِّدِنَا جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ:-
(كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ، يَقُولُ: إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلاَ أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلاَ أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي – أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ – فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي – أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ – فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي، قَالَ: وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ وعلا.
ومَنْ فقه السادة العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم أنّهم يُراعون الواقع ويرفقون بطلاب العلم، وعلى وفق قاعدة: كلّما ضاق الأمر اتّسع؛ تتغيّر ضوابط وشروط منح الإجازة، ولذا لا يشترط بعضهم إتمام علوم الجادة أو حفظ القرآن الكريم كلّه بل يكتفون ببعض ذلك، وهم بذلك أعلم وأعرف بالمصلحة.
وجديرٌ بالذكر أنّ الإجازة العلمية التي عرفتها حضارة الإسلام المباركة هي أرقى وأنقى وأصفى من الشهادة العالمية المسمّاة اليوم الدكتوراه، وأروي سماعا عن شيخي حضرة الشيخ الدكتور عبد الله الهرشمي طيّب الله تعالى روحه وذكره وثراه أنّه قال:-
(لَقَدْ نِلْتُ شَهَادَاتٍ كَثِيْرَةً، لَكِنْ أَغْلَى وَأَعْلَى شَهَادَةٍ أَعْتَزُّ بِهَا هِيَ الإِجَازَةُ العِلْمِيَّةُ).
وبهذا فالمسلمون لهم قِدَم السبق في هذا المجال، وهم أصل وأساس المعارف العلمية والإنسانية التي تنعم بها البشرية الآن.
أمّا الإجازة الروحية فهي إجازة خاصّة، وهي على درجات ومراتب وأنواع يمنحها المرشد رضي الله تعالى عنه وعنكم لمَنْ يرى فيه الصلاحية للخدمة في ذلك المجال، والإجازة العلمية شرطٌ في منح الإجازة الروحية الخاصة بالمرشد الكامل رضي الله تعالى عنه وعنكم؛ فما اتخذ الله عزّ وجلّ ولياً جاهلاً – حاشاهم – ولتكتمل عند المرشد مقوّمات الخدمة من الجانب العلمي والروحي.
وأخيرًا فالإجازة سببٌ مبارك للتواصل بين الشيخ المجيز والطالب المجاز حال حياتهما؛ فهي باب المواصلة في العلم والمُدارسة والمشاورة سعيًا لخدمة الأمّة والاهتمام بشؤونها، ومتابعة ما يُستجدُ منَ الحوادث والأمور الشرعية والمعاشية، وهذا من بعض مقتضيات حفظ الأمانة وصيانتها وأدائها.
ولمزيد فائدة وبركة ونور أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (1515، 2294) في هذا الموقع المبارك.
واللهَ سبحانه أسال أنْ يجعلنا من أهل العلم والتعليم والإرشاد والتقويم، وأنْ يمنحنا شرف الاتصال بسيّد الرجال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الأبطال.
والله جلّ جلاله أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّد الأنبياء، وإمام الأصفياء، نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه الأتقياء.