2019-07-17
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
سؤالي: هل أنّ الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم بايعوا سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ وإذا ثبت ذلك هل يجب على المسلم البحث عمّن يبايعه؟ ومَنْ يكون؟

الاسم: فؤاد

الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أشكرك على تواصلك مع هذا الموقع الكريم وأسأل المولى العظيم جلّ وعلا أنْ يجعل ذلك في ميزان حسناتك إنّه سبحانه سميع مجيب.
قال الحقّ جلّ جلاله:
{إنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح/ 10].
البيعة هي: المعاقدة والمعاهدة، وهي شبيهة بالبيع الحقيقي، قال ابن الأثير في كتاب النهاية في غريب الحديث:
(كأنّ كلّ واحدٍ منهما باع ما عنده مِن صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره).
والأصل في ذلك أنّه كان مِن عادة العرب أنّه إذا تبايع اثنان صفق أحدهما بيده على يد صاحبه.
وجاءت البيعة في القرآن الكريم بعدة ألفاظ، منها:
1- العهد: قال جلّ وعلا:
{— وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا —} [البقرة: 177]. وقال: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ —} [النحل: 91]. وقال: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: 34].
2- العقد: قال عزّ شأنه:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ —} [المائدة: 1].
والعقود جمع عقد وهو يشمل أنواعا كثيرة كعقد البيع والرهن والإجارة والنكاح، ومن أجلّها وأعظمها أنْ يتعاقد العبد مع ربّه سبحانه على طاعته.
3- الميثاق: قال جلّ جلاله في وصف أولي الألباب:
{الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ} [الرعد: 20].
وبيعة الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين لحضرة خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه المكرمين أمرٌ واضحٌ ظاهرٌ في النصوص الشرعية، ومنها الآية المصَّدَر بها الجواب حيث دلّت بظاهرها على أمور عديدة منها:
1- مشروعية البيعة كما هو واضح من بيعة الصحابة رضوان الله سبحانه عليهم لسيّدنا الرسول صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم.
2- عظم وأهميّة هذه البيعة؛ لأنّها مع الله جلّ في علاه عن طريق سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه.
3- فضلها وثمراتها؛ إذ أنّها محفوفة بالعناية الإلهية ومؤيدة بالتأييد الربّاني.
4- الإثم العظيم الذي يلحق ناكثها.
5- الأجر الكبير الذي يلحق مَن أوفى بمتطلباتها.
فالبيعة ممّا عُلم من الدين ومن سيرة سيّد المرسلين صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه أجمعين، وقد تكرر من الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وعنكم ذكر البيعة عند حديثهم عن بعض الأحكام؛ وذلك إظهاراً لنعمة الله عزّ وجلّ عليهم حين فازوا بهذا الشرف العظيم، شرف مبايعة سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، ومسّ يده الشريفة بأيديهم، وتوثيقاً للأحكام التي يخبرون عنها، وبثاً للطمأنينة في نفوس السامعين بأنّهم يخبرون عن حضرة خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين مشافهة لا بواسطة.
ولعلّ من أهمّ ما أحبّ أنْ أُنَبّه عليه في هذا المقام هو الوهم الذي يسري في عقول الكثيرين من اعتقادهم أنّ البيعة مقصورة على بيعة ولي الأمر، إذ أنّ هذا الفهم تردّه النصوص الواضحة، فقد كانت بيعة سيّدنا النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم لأصحابه الكرام رضي الله جلّ وعلا عنهم وعنكم على أمورٍ متنوعةٍ منها:
أوّلا: البيعة على الإسلام:
وهي آكد أنواع البيعة وأوجبها وأعظمها، قال الله عزّ شأنه:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الممتحنة: 12].
وَعَنْ سيّدنا جَرِيرٍ رَضِيَ اللهُ تعالى عَنْهُ قالَ:
(بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ) متفق عليه.
وهذه البيعة هي التي التزمها المربُّون ويؤكّد عليه السادة المرشدون رضي الله تعالى عنهم وعنكم حيث يأخذون العهد على سالك طريق الله عزّ وجلّ على الاعتصام بالشريعة الغرّاء شريعة خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام ما ناح الحَمام وعلى آله وصحبه هداة الأنام.

ثانيا: البيعة على النصرة والمَنَعة:
وأوضح مثال عليها، البيعة التي أخذها سيّدنا النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلّم وآله وصحبه أجمعين مِن وفد الأنصار في بيعة العقبة الثانية، وكان عددهم آنذاك ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين، وبعد أنْ تلا الرسول الكريم عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه، القرآن ودعا إلى الله تعالى ورغَّب في الإسلام قال:
(أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ، وَأَبْنَاءَكُمْ) الإمام أحمد رحمه الله جلّ جلاله.
فبايعوه على المنعة، والنصرة.

ثالثا: البيعة على الجهاد: قال العليُّ جلّت صفاته:
{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة/111].
رابعا: البيعة على الهجرة:
وكانت الهجرة فرض عين على مَن أسلم، ثمّ انتهت بعد فتح مكة، والمراد بها الهجرة مِن مكة إلى المدينة، وهذه قد انقطعت، فعَنْ سيّدنا مُجَاشِع بن مَسْعُودٍ السّلَمِيّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ:
(جِئْتُ بِأَخِي أَبِي مَعْبَدٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الفَتْحِ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ الله بَايِعْهُ عَلَى الهِجْرَةِ، قَالَ: قَدْ مَضَتِ الهِجْرَةُ بِأَهْلِهَا، قُلتُ: فَبِأَيّ شَيْءٍ تُبَايِعُهُ؟ قَالَ: عَلَى الإِسْلاَمِ وَالجِهَادِ وَالخَيْرِ) متفق عليه.
خامسا: البيعة على السمع والطاعة:
وهذه هي التي تعطى للأئمة عند تعيينهم خلفاء للمسلمين، فعَنْ سيّدنا عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ:
(دَعَانَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ، فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا، أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السّمْعِ وَالطّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، قَالَ: إلاّ أَنْ تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ) متفق عليه.
فهذه النصوص واضحة في تنوع البيعة بحسب الحاجة، ولهذا قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى:
(كَانَتْ مُبَايَعَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ بِحَسَبِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ تَجْدِيدِ عَهْدٍ أَوْ تَوْكِيدِ أَمْرٍ فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهُمْ) فتح الباري (1/139).
بل إنّ حضرة النبي المعظم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم قد بايع مَن هم صغار لم يبلغوا الحُلم؛ فعن سيّدنا محمد بن علي بن الحسين رضي الله سبحانه عنهم:
(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَايَعَ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَهُمْ صِغَارٌ لَمْ يَبْلُغُوا. قَالَ: وَلَمْ يُبَايِعْ صَغِيرًا إِلَّا مِنَّا) الإمام الطبراني رحمه الله عزّ وجلّ.
وأخرج أيضا عن عبد الله بن الزبير وعبد الله بن جعفر رضي الله عنهما:
(أَنَّهُمَا بَايَعَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمَا ابْنًا سَبْعِ سِنِينَ، فَلَمَّا رَآهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبَسَّمَ، وَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعَهُمَا) الإمام الطبراني رحمه الله جلّ وعلا.
أمّا هل تجب هذه البيعة؟ ولمَن تكون؟ فأنقل لجنابك النصين الآتيين:
قال الإمام حجّة الإسلام أبو حامد الغزالي عليه سحائب الرحمة والرضوان:
(ممّا يجب في حق سالكِ طريق الحق أنْ يكون له مرشدٌ ومربٍّ ليدلّه على الطريق، ويرفع عنه الأخلاق المذمومة، ويضع مكانها الأخلاق المحمودة، ومعنى التربية أنْ يكون المربّي كالزارع الذي يربي الزرع، فكلما رأى حجراً أو نباتاً مضرّاً بالزرع قلعه وطرحه خارجاً، ويسقي الزرع مراراً إلى أنْ ينمو ويتربّى، ليكون أحسن من غيره؛ وإذا علمت أنّ الزرع محتاج للمربي، علمت أنّه لا بدّ للسالك من مرشد البتة، لأنّ الله تعالى أرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام للخلق ليكونوا دليلاً لهم، ويرشدوهم إلى الطريق المستقيم؛ وقبل انتقال المصطفى عليه الصلاة والسلام إلى الدار الآخرة قد جعل الخلفاء الراشدين نوّاباً عنه ليدلوا الخلق إلى طريق الله، وهكذا إلى يوم القيامة، فالسالك لا يستغني عن المرشد البتة) خلاصة التصانيف ص18.
وذكر الأستاذ الندوي رحمه الله تعالى:
(أنّ الشيخ عبد القادر الجيلاني فتح باب البيعة والتوبة على مصراعيه، يدخل فيه المسلمون من كلّ ناحية من نواحي العالم الإسلامي، يجددون العهد والميثاق مع الله، ويعاهدون على أنْ لا يشركوا ولا يكفروا، ولا يفسقوا، ولا يبتدعوا، ولا يظلموا، ولا يستحلّوا ما حرم الله، ولا يتركوا ما فرض الله، ولا يتفانوا في الدنيا، ولا يتناسوا الآخرة، وقد دخل في هذا الباب- وقد فتحه الله على يد الشيخ عبد القادر- خلق لا يحصيهم إلّا الله، وصلحت أحوالهم، وحسن إسلامهم، وظل الشيخ يربيهم ويحاسبهم، ويشرف عليهم، وعلى تقدمهم، فأصبح هؤلاء التلاميذ الروحيون يشعرون بالمسؤولية بعد البيعة والتوبة وتجديد الإيمان على يد عبد مخلص، وعالم رباني، وظل بينهم وبين الشيخ رباط وثيق عميق، أقوى من رباط التلاميذ بالأساتذة والشيوخ، ومن رباط الجند بالقائد، ومن رباط الرعية بالراعي، إنما هو رباط روحي ديني، لا يهن ولا ينحلّ، وإنما هو ميثاق لا ينقض ولا ينكث) رجال الفكر والدعوة في الإسلام (1/325).
وبهذا تبيّن أنّ هذه البيعة مستمرة، وتتأكّد في هذه الأزمان التي ماجت فيها الفتن، وأغرقت الشهوات المجتمعات، وتخلخل الفهم الصحيح للإسلام في عقول الكثيرين، وضعف سلطان الإيمان على القلوب، وتبيّن أنّها تكون مع المختص في علم التزكية المسمّى بالمرشّد أو المربّي، قال سيّدي حضرة الشيخ الدكتور عبد الله الهرشمي طيّب الله تعالى روحه وذكره وثراه:
(امدد يدك فهذه البيعة باقية لكلّ إنسان. والإرشاد إلى الله ورسوله باق ما بقي الخافقان. وما عليك إلا أنْ تعتصم بحبل الله، وسيؤتيك الله العزّة في الدنيا، وفي الآخرة أجرا عظيما) معالم الطريق في العمل الروحي الإسلامي ص182.
ولزيادة الفائدة أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1654) في هذا الموقع المبارك.
ولهذا نهج علماء التزكية – الذين أخذوا على عاتقهم السير بأصناف الناس نحو ربّهم علماً وعملاً وتربيةً وسلوكاً – منهج سيّدنا الرسول عليه الصلاة والسلام ما هطل الغمام وعلى آله الكرام في أخذ البيعة في كلّ عصر.

وصلِّ اللهمّ على البشير النذير سيّدنا محمد الذي كانت كفّه ألين مِنّ الحرير وعلى آله وصحبه أجمعين الذين بايعوه على الطاعة في اليسير والعسير.
والله تبارك اسمه أعلم.