2019-09-06
السؤال:
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على حضرة خاتم الأنبياء والمرسلين سيّدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، حيّاكم الله سيدي الفاضل الحبيب، وجزاكم خير الجزاء، وبارك بكم، ووفقكم لما يحب ويرضى.
قال الله تبارك وتعالى في جزء من آية خلق بني آدم ((ونفختُ فيه من روحي)) وقال تبارك وتعالى في جزء من حديث قدسي ((ومن ذكرني في نفسه ذكرتُهُ في نفسي)) السؤال:
هل المقصد واحد والمعنى واحد؟؟؟
مع خالص الحبّ والاحترام والتقدير سيّدي

الاسم: رعد الراوي

الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
حياكم الله عزّ وجلّ وبيّاكم، ورفعنا وإياكم بطاعته، وجعلنا من الذين يذكرونه بكرة وعشياً.
فيستحسن أنْ أقدّم بين يدي الجواب هذا النصّ المنقول من كتاب سيدي حضرة الشيخ عبد الله الهرشمي رضي الله تعالى عنه وأرضاه ونفعنا بعلومه حيث قال: (للإعجاز البلاغي في القران الكريم أساليب كثيرة جدا منها استعمال كلمة واحدة على معاني متعددة يتعين من بينها المعنى في أيّما نص مشتمل على الكلمة تعيّنا محققا بسياق النص ومقتضى الحال البياني المدرك منه) معالم الطريق في عمل الروح الإسلامي/276.
ومن هنا استعمل القرآن العظيم كلمة الروح في أربعة معاني متمايزة هي:
1- الكتاب والدين، قال الحقّ جلّ وعلا:
{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشُّورَى: 52].
2- الملك الكريم، قال سبحانه:
{قلْ نزلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 102].
3- روح الإنسان، قال جلّ جلاله:
{ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ} [السجدة: 9].
4- بصيرة القلب، قال عزّ من قائل:
{لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22]، ينظر: معالم الطريق في عمل الروح الإسلامي بتصرف يسير /53-54.
وكذلك لفظ النفس فيه اشتراك معانٍ استعملت في القرآن الكريم:
1- ذات القدوس الرحمن الرحيم، قال جلّ وعلا:
{وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام/ 54].
2- القوة الدافعة إلى الشهوات والأمّارة بالسوء، كقوله تعالى:
{إنّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوْءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} [سورة سيّدنا يوسف عليه السلام: 53].
3- شخص الإنسان الفرد، كقوله سبحانه:
{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة /45].
4- الفكر والقلب، قال عزّ شأنه:
{لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة /284].
5- الروح، قال جلّت قدرته:
{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّة فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر/27-30]، ينظر معالم الطريق بتصرف يسير/277.
وقد تَرِدُ كلمة الروح والنفس بمعان أخرى لكنّها غير متمايزة، كإطلاق الروح على سيّدنا عيسى عليه الصلاة والسلام وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام في قوله تعالى:
{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء /171]
لكن هذا المعنى غير متمايز، فالروح هنا لا يتمايز عن غيره من أرواح بني الإنسان من حيث الماهية، فكلّ إنسان فيه هذا السرّ، وله نسبة من قوله عزّ وجلّ:
{وَنَفَخْتُ فِيْهِ مِنْ رُوْحِي} [الحجر/90].
وكإطلاق النفس على سيّدنا آدم عليه السلام في قوله جلّ ذكره:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ، وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا ونِسَاءً واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ والْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء/1].
وبهذا تبيّن أنّ الروح قد يُراد بها النفس، وقد يُراد بها إطلاقات أخرى.
ومنشأ الإشكال قد يحدث مِن توهّم أنّ المقصود بالروح في الآية الكريمة كونها صفة لله تعالى، بينما يُرادُ بها السرّ الربّاني في الهيكل الجسماني لكلّ إنسان.
فالروح مخلوقة، ولا خلاف بين أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم على أنّ إضافتها إلى الله جلّ في علاه هي تشريف وتكريم للإنسان، قال ربّنا تقدست ذاته:
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء/70].
ومن اعتقد أنّ شيئا حلّ من الإله جلّ وعلا في الإنسان وغيره فقد كفر.
وَلَا حَلَّ فِي شَيءٍ تَعَالَى وَلَمْ يَزَلْ *** مَلِيّاً غَنِيًّا دَائِمَ العِزِّ سَرْمَدَا
وَلَـيْـسَ كَـمـِثْـلِ اللهِ شَـيْءٌ وَلَا لَـهُ *** شَبِيْهٌ تَعَالَى رَبُّنَا أَنْ يُحَدَّدَا
والخلاصة أنّ الروح في الآية غير النفس التي في الحديث القدسي، ففي الآية هي روح ابن آدم وليست صفة لله تقدّس اسمه.
والنفس في الحديث يقصد بها ذاته العلية تبارك وتعالى، ويتوضح المعنى في الحديث بمعرفة تمامه، وهو قول حضرةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَصَحْبِهِ وسَلَّمَ:
(يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُ —) الإمام مسلم رحمه المنعم سبحانه.
ففي الحديث الشريف مقابلة يفهم بها معناه فقوله: (وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُ)
يدلّ على الجهر بدليل أنّ الذاكر يذكر الله جلّ اسمه في ملأ وهم جماعة من الناس، وأنّ الله تقدّست ذاته يذكره في ملأ خير منهم من النبيّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين والملائكة وغيرهم ممّا لا يعلمهم إلّا الله جلّت عظمته، فيكون المعنى المقابل له دالّا على السرية في الذكر، أي وإنْ ذكرني سرّاً ذكرته سرّاً، قال الإمام ابن حجر رحمه ربّ البشر تعالى شأنه: (أَيْ إِنْ ذَكَرَنِي بِالتَّنْزِيهِ وَالتَّقْدِيسِ سِرًّا ذَكَرْتُهُ بِالثَّوَابِ وَالرَّحْمَة سِرًّا) فتح الباري.
والذي يحدّد المعنى في هذه الإطلاقات هو السياق الذي يجيء به النص.
قَـلْبِـي بِرَحْمَـتِـكَ اللّهُـمَّ ذُوْ أُنُـسِ *** بِفَيْضِ نُوْرٍ مِنَ التَّوْحِـيْـدِ مُلْـتَـمَسِ
وَجَّهْـتُ وَجْهِي إِلَيْهِ عَائِـذًا دَنِـفًـا *** بِالسِّرِّ وَالجَهْرِ وَالإِصْبَاحِ وَالغَلَسِ
وَمَا تَقَلَّبْتُ مِنْ نَوْمِي وَفِي سِنَتِي *** وَلَا نَشَدْتُّ جِهَـارًا أًوْ عَلَى هَـمَـسِ
وَلَا تَـنَـفَّـسَ صُبْـحٌ مِنْ مَشَارِقِـهِ *** إِلَّا وَذِكْـرُكَ بَـيْـنَ النَّـفْـسِ وَالنَّـفَسِ
ولمزيد من الفائدة يراجع جواب السؤال المرقم (1181) في هذا الموقع المبارك.
وصلِّ اللهمّ على قائد الأرواح إلى رحاب الملك الفتاح جلَّ وعلا، سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أولي الهدى والفلاح، ما تعاقب الليل والصباح.
والله سبحانه أعلم بأسرار شرعه.