2019-09-09
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سيّدي الكريم أسأل الله تعالى أنْ ينعم عليكم بدوام الصحة والعافية، وأن يبارك في أعماركم، سيّدي الكريم سؤالي هو: أنّه في حال وجود عدة مساجد في مدينة صغيرة على مستوى ناحية هل يجوز غلق المساجد والصلاة في مسجد مركزي واحد بدلاً من عدّة مساجد؟ وهل هناك دليل شرعي في توحيد الخطبة؟ وأعتذر عن الإطالة وشكراً لكم.
الاسم: سائل
الرد:
وعليكمُ السّلامُ ورحمةُ الله تعالى وبركاتُهُ.
جزاكَ اللهُ عزّ وجلَّ خيراً على دعواتك الطيبةِ ولك بمثلها.
البحث في صلاة الجمعة وما يتعلق بها من أحكام وآداب يستوجب التوسّع في الجواب لأنّها من الشعائر العظيمة في ديننا الحنيف.
وقد نزلت سورة تحمل اسمها وهي (سورة الجمعة) فيها أمر بترك المهام الدنيوية حال سماع ندائها وتلبيته، نزلت في المدينة المنورة بعد أن استقر للمسلمين أمنُهم وأصبح في مقدورهم إقامة هذه الشعيرة المباركة.
وليس هناك نصٌ قاطعٌ على وجوب توحيدِ صلاة الجمعةِ في المدينة الواحدة ولكن يمكننا مراجعة ما ثبت عن بداية فرضها.
فأوَّلُ مَنْ جَمَّعَ هو سيّدنا أبو أمامة أسعد بن زُرَارَة الذي نزل عليه سيّدنا مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنهما.
يقول عبد الرحمن بن كعب بن مالك رضي الله سبحانه عنهما ـ الذي كان يقود أباه سيّدنا كعبًا رضي الله جلّ وعلا إلى المسجد ـ:
كان أبِي إذا توجَّه لصلاة الجمعة وسمع الأذان استغفر لأبي أُمَامة رضي الله تعالى عنه، ولمَّا سأله لماذا يستغفر له قال: كان أوّل من جمَّع بنا في المدينة في هزم النبيت من حرّة بني بياضة في نقيع يُقال له نقيع الخضمات، وكانوا يومئذٍ أربعين رجلاً.
وهذا القول رواه الأئمة أبو داود وابن حِبّان وابن ماجه والبيهقي وصححه رحمهم الله عزّ وجلّ.
وقال الإمام ابن حجر رحمه الله جلّ وعلا: إسناده حسن.
وأوّل جمعة صلاها حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم أثناء هجرته الشريفة لمّا وصل إلى قباء، فقد أقام فيها أربعاً ثمّ خرج منها ضحى يوم الجمعة متوجهاً إلى المدينة فأدركته صلاة الجمعة في مرابع بني سالم بن عوف من الأنصار رضي الله تعالى عنهم، فنزل وصلّى الجمعة بمَنْ معه، فأقاموا في المكان مسجدا سمّيَ بـ (مسجد الجمعة).
وبعد الهجرة النبوية الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام جَمَّعَ بالنَّاس في مسجده الشريف وكان يسع لكلّ أهلها، وما أقيمت صلاة الجمعة في مدنٍ وأمصارٍ أخرى إلّا بحكم واقع الحال وهو ابتعادها عن المدينة المنوّرة.
ومِنْ تَتَبُّعِ بناء المساجد نرى أنّه لا يبنى مسجدٌ للصلوات الخمس إلا بعد اتساع المدينة أو الحيّ الذي يتعذر على سكانه ارتيادها، والحال كذلك للجامع الذي تقام فيه صلاة الجمعة.
وما صلِّيَتْ جمعة أخرى في زمن سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه أو في زمن خلفائه الكرام رضي الله تعالى عنهم وعنكم.
وإنّما بعد الفتوحات.
وقد مَنَعَت أشهرُ الروايتين عند السادة الأحناف ومَنْ وافقهم رحمهم الله جلّ وعلا من إقامة الجمعة في المدينة الواحدة، وكذلك في القول المشهور عند ساداتنا المالكية والشافعية والحنابلة رحمهم الله سبحانه تعظيماً لشعيرة الجمعة.
وقد أجاز بعض الفقهاء كالإمام أبي حسن الشيباني والإمام أبي يوسف عليهم رحمة الله عزّ وجلّ تعدّد الجمعة إقراراً لواقع الحال الجديد لتعذّر وصول الناس إلى المسجد الجامع كي لا تعطل شعيرة مهمة من شعائر الإسلام وعلامة بارزة لوحدتهم، والشريعة الغرّاء حريصة على تتبّع المصالح الضرورية للناس ومنها حفظ الدين.
وحين امتدت بغداد لجانب الرصافة وبُني مسجدٌ فيها أمر القاضي أبو يوسف رحمه الله تعالى بقطع الجسر الواصل بين جانبي بغداد أثناء صلاة الجمعة تحقيقاً لكونهما مدينتين.
ولا شكّ أنّ اجتماع المسلمين في مكانٍ واحدٍ قدرَ الإمكان مناسبةٌ وفرصة ٌعظيمة لتجسيدِ وحدةِ صفّهم وتيسير تواصلهم واجتماعهم على صلاة واحدة ودعاء واحد. وهذا مظنّة تعظيم بركة الصلوات واستجابة الدعوات.
وقد رأينا أنّ مسجد (حسن الوزير) رحمه الله جلّ جلاله في سوق السراي ببغداد يغلق عند صلاة الجمعة لقرب جامع (الآصفية) منه ليكون الأخير هو مكان صلاة الجمعة.
والأفضل حين يؤسَّس مسجدٌ أنْ ينظر لحال المساجد القريبة التي تقام فيها صلاة الجمعة، فإنْ كانت قريبة وتتسع لمصلي الجمعة فتشرع به الصلاة على أساس مسجد للصلوات الخمس فقط، تيسيراً للمصلين في صلوات الليل والنهار، ثمّ يتحوّل لجامع حين تضيق على المصلين مساجد الجمعة.
وإذا كان بعيداً أو أنّ الجامع لا يكفي أصلا فيؤسَّس على أنّه جامع تقام فيه صلاة الجمعة دفعاً لأي نزاعٍ يحدث بعد ذلك.
أمّا إذا كانت كلّ المساجد قريبة ويتيسَّر الوصول إليها دون حرج فلا حاجة لتعدد الجمع وتفريق المصلين بينها مع ما للسعي وكثرة الخطى للمساجد من أجر عظيم قال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام: (إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلاةِ أَبْعَدُهُمْ إِلَيْهَا مَمْشًى فَأَبْعَدُهُمْ) الإمام مسلم رحمه المنعم عزّ شأنه.
أمّا مَنْ يدعو لتوحيد صلاة الجمعة فيجب أنْ تبحث دعوته، هل هي للضرورة وتوحيد صف المسلمين؟ أم لحاجة في نفسه يُشمّ منها حبّ الزعامة وإغلاق الباب عن آراء وأفكار باقي الخطباء ليتسنّى له فرض رؤيته وفكره على الناس؟ ففي هذه الحالة لا تُسمع دعوته وتبقى المساجد على جُمعِهَا كي لا نعاونه على الإثم والعدوان وإهلاك النّاس.
وأرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (431) في هذا الموقع المبارك.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على النبيّ المبارَكِ سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه ما أشرق نهار أو ليل تدارك.
والله جلّت قدرته أعلم.