2019-09-13
السؤال:
لقد وردت نصوص كثيرة في القرآن الكريم والسنّة المطهرة تؤكّد على ضرورة التآخي بين المسلمين وتذلل بعضهم لبعض، لكنّ الملاحظ في هذا الزمن العكس تماما، فالبأس بين المسلمين شديد، وما جرى في بلدنا والبلدان المجاورة يدلّ على ذلك، فما هو السبب من وجهة نظركم يا سيدي الكريم؟
الاسم: زيدون
الرد:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
حيّاكم الله سبحانه وشكرا على تواصلكم مع هذا الموقع المبارك.
فمن مقومات حضارة الإسلام أنّها حضارة أصلها وسيماها الأخوة والتعارف أخوة الإنسان للإنسان وأنْ يصنع بعضهم لبعض معروفا وأيّ كلام أبلغ في تصوير هذا الأصل من قوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات /13].
ولقد جاءت نصوص الكتاب الكريم والسنّة النبوية المطهرة، ترشد المسلمين إلى أنْ يكونوا أمّة واحدة وجسدا واحدا، قال جلّ جلاله:
{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92].
وقال الحبيب المحبوب صلوات ربّي وسلامه عليه وآله وصحبه:
(لا تَحاسدُوا، وَلا تناجشُوا، وَلا تَباغَضُوا، وَلا تَدابرُوا، وَلا يبِعْ بعْضُكُمْ عَلَى بيْعِ بعْضٍ، وكُونُوا عِبادَ اللَّه إِخْوانًا، المُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِم: لا يَظلِمُه، وَلا يَحْقِرُهُ، وَلا يَخْذُلُهُ، التَّقْوَى هَاهُنا ويُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاثَ مرَّاتٍ بِحسْبِ امرئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِر أَخاهُ المُسْلِمَ، كُلّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حرامٌ: دمُهُ، ومالُهُ، وعِرْضُهُ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
وَقَالَ عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الكرام: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ جلاله.
ولهذا نجد في أغلب العبادات معنى الاجتماع ووحدة الصف، ففي الصلاة قبلة واحدة وأداء واحد، وفي الزكاة استشعار بالآخرين وإمداد لحاجة الجسد؛ إذ المسلمون جسد واحد، وفي الصوم يتوحد المجتمع في الزمن والأداء، وفي الحج لباس واحد، زمان واحد، مكان واحد، هتاف واحد، وهذا خير شاهد على ما أقول في تعزيز وتوثيق هذا الهدف المبارك.
لكنِ الناظر إلى أحوال المسلمين اليوم يشعر بشيء من المرارة لِما يحدث في بلدانهم وفيما بينهم من تفرّق وشتات، ولهذا أسباب عدّة بمجملها تنضم تحت الابتعاد عن هدي الكتاب العزيز والسنة المطهّرة، فهما صمام الأمان لهذه الأمّة كي لا تتشتت بها الأهواء، وهما النوران اللذان يحفظانها من التخبّط في دياجير الظلام، قال الرؤوف تقدَّست ذاته العلية:
{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران عليهم السلام/103].
وواضح من الآية الكريمة أنّ الاعتصام بحبل الله عزّ وجلّ وهو دينه وشرعه سياج منيع من التفرق، وأنّ حال التفرق والعداوة انتهت بتأليف الله جلّ اسمه بينهم، بجامع شتاتهم وموحد طاقتهم وباني صرحهم حضرة الإمام الأعظم سيّدنا محمد صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم، وقد وصفه الله تبارك اسمه في التوراة كما ورد في الحديث الصحيح:
(يا أيّها النبيُّ، إنّا أرسلناك شاهدًا ومبشِّرًا ونذيرًا، وحِرْزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سمَّيتُك المتوكل، ليس بفظٍّ ولا غليظ، ولا سخَّاب في الأسواق، ولا يدفع بالسَّيئة السَّيئةَ؛ ولكن يعفو ويغفر، ولن يَقْبضه الله حتى يُقيم به المِلَّة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح بها أعيُنًا عميًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلفًا) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
فمعنى حرزا أي حافظا يحوطهم والحرز في الأصل الموضع الحصين، فالأمّة مادامت في رحاب الله جلّ في علاه ورحاب رسوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، فهي في منأى عن جميع العلل الفتاكة التي تنهك جسد المجتمع.
أمّا الأسباب بشيء من التفصيل فمن أهمها:
1- قال أهل التزكية رضي الله عنهم وعنكم:
(نفسك إنْ شغلتها بالحق وإلّا شغلتك بالباطل)
وهي مقولة جليلة عظيمة استشهد بها الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه ونقلها عن المختصين في علم السير إلى الله تباركت ذاته، وهي تنمّ عن فقه بأسرار الكتاب الكريم والسنّة الشريفة وفهم لمسارب النفس، وتنطلق آثارها في النفس والمجتمع، ومن هنا وجّه الشرع المبارك الفردَ والمجتمع إلى العمل الصالح وحوّل طاقة الأفراد فيه إلى الدعوة إلى الله جلّت عظمته، قال تعالى:
{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران/ 104- 105].
ويلوح لي – والله تعالى أعلم- أنَّ ورود الآية الثانية بعد الأولى فيه إشارة إلى أَّنَّ الدعوة إلى الله تبارك اسمه، هي الطاقة التي تحفظ كيان الأمّة مِنَ التشرذم، فما دامت قائمة بأمر الله سبحانه داعية إلى طريقه فهي في مأمن مِنَ الانقسام، وإلّا فإنَّها ستـأكل نفسها بنفسها إنْ تنكبت عن هذه المهمة العظمى، قال صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلَّم:
(مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف/ 58]) الإمام ابن ماجه رحمه الله تنزَّهت ذاته.
ولهذا نجد في عهد سطوع حضارة الإسلام أنّه عندما قام المسلمون بواجب الدعوة علما وعملا وسلوكا رأينا نور الإسلام في بلدان شرق آسيا الذين يبلغ عددهم بالملايين حيث دخلهم الإسلام على يد التجار المسلمين الذين وفدوا إليهم ولمسوا منهم الجانب التطبيقي والخلقي فأحبّوا هذا الدين العظيم وتركوا ما هم عليه، هذا يوم أن كان اتباعه بحراً هادرا سائرا نحو وجهة واحدة، أمّا في عصر الأثرة والأنا، يوم أن انقسم البحر العظيم إلى قنوات متفرعة، ولم يجد حملته شغلهم فيه فشغلوا أنفسهم بالباطل فعملوا تقطيعا وتمزيقا في أنفسهم، هنا أريد للدين أنْ يقبع في زوايا ضيقة إنْ سمح له بذلك.
2- غياب الثقافة الروحية ومناهج التزكية النبوية الشريفة في حياة الكثير من المسلمين ممّا تسبّب في شحن هذه القلوب بأسباب الحقد والكراهية وتفتيت قوتهم: (ومتى تقدّمت الكثرة الكاثرة من أبناء هذه الأمة الإسلامية فأصبحت أبناء أمّة الإسلام المثقفين بثقافة الروح وتربيته في الإسلام، متى تحقق هذا التقدم عادت العزة للأمّة فمقتت ذلة الخنوع للاستعمار بل للاستخراب السائد من الحضارة الأوربية المعاصرة).
3- التوجيه الخاطيء القاتل من قبل بعض من يُفترض بهم أنْ يكونوا أسباب الائتلاف ونشر المحبة لكنّهم كانوا أسباب الدمار.
(لكن حقيقة أخرى ماثلة اليوم في المجتمع الإسلامي هي حال التشرذم القائمة بوجود آلاف من المسلمين هنا وملايين المسلمين هناك موجهين من علماء السوء إلى التفرق وشق الصفوف والعداوة والبغضاء داخل المجتمع الإسلامي ذاته – اللهم اهد قومي فإنّهم لا يعلمون).
ويا ويل أّمّة يكون فيها معالم بنائها أسباب دمارها، وهؤلاء أصناف فمنهم مجندون، ومنهم مغررون، ومنهم حائرون، أتباع كلّ ناعق، وهم يعملون في شتى مجالات الحياة.
4- الصراع المستمر بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية:
(فالصراع بين الشرق والغرب إنّما هو صراع حضاري إنّه لصراع حضاري تريد الحضارة الأوربية المسيطرة القضاء على البقية الباقية من حضارة الإسلام) معالم الطريق في عمل الروح الإسلامي لسيّدي حضرة الشيخ عبد الله الهرشمي طيّب الله تعالى روحه وذكره وثراه، انظر الصفحات (99) و (124) و (218).
ومن وسائل تنفيذ هذا المخطط تأليب المسلمين بعضهم على البعض الآخر، وبالتالي أضعافهم، قال سيّدي حضرة الشيخ عبد الله بن سيدي حضرة الشيخ مصطفى كمال الدين طيّب الله تعالى ثراهم في كتابه الحرية الجامعية تحت عنوان فرّق تسد:
(إثارة الفتن بين الشعوب وإثارتها بين فئات شعب واحد، ولاسيما بين ملل الأديان وفيما بين أهل المذاهب الدينية تلك هي سياسة فرق تسد).
فحريّ بنا لنكون أمّة واحدة وإخوة متراحمين أنْ نغيّر ما في قلوبنا من باطن الإثم، ونصحب الصالحين من عباده، ونكون على وعيّ بالذي يجري من حولنا، ونشغل أنفسنا بما ينفعنا، ونحسن العمل لله جلّ وعلا بعد أنْ نتعلم أحكام شرعنا.
وصلّى الله تعالى وسلّم على مجمع الأشتات للأمّة وواضع معالم الطريق لهدايتها، سيّدنا محمد المقتطف من جنّة الكائنات، والمقتضب من خلاصة المخلوقات، وعلى آله وصحبه أجمعين، وألحقنا معهم في الرفيق الأعلى.
والله جلّ جلاله أعلم وأحكم.