2019-10-19
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأل الله جلّ وعلا أنْ تكونوا بخير وصحة جيّدة.
عفوا شيخي الكريم: ما معنى السُترة؟ وما هو حكمها؟ وأين تتخذ؟ وما حكم هذه
الظاهرة التي بدأت تنتشر في المساجد بشكل غير مسبوق وهي: أنْ يجعل المصلي كرسيا أو خشبة أمامه بحجة اتخاذ السترة وتطبيق السنّة؟
وجزاكم الله تعالى خير الجزاء.
الاسم: علي صالح.
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أشكرك على دعواتك الطيّبة وأسأله جلّ وعلا لك بمثلها وزيادة مع العفو والعافية في الدنيا والآخرة إنّه سبحانه سميع مجيب.
السترة: هي شيء مرتفع يقترب منه المصلي؛ ليكون بينه وبين القبلة؛ حتى يعلم الناس أنّه يصلي، فلا يمر أحد من بين يديه؛ فقد قال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:
(إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إِلَى سُّتْرَةٍ، وَلْيَدْنُ مِنْهَا، لَا يَقْطَعُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ) الإمام ابن خزيمة رحمه الله سبحانه.
قال بعض الفقهاء رحمهم الله تعالى: إنّ سترة الإمام تبقى سترة للمأموم حتى بعد سلام الإمام.
جاء في حاشية ابن عابدين رحمه الله سبحانه:
(وَظَاهِرُهُ الِاكْتِفَاءُ بِهَا وَلَوْ بَعْدَ فَرَاغِ إمَامِهِ، وَإِلَّا فَمَا فَائِدَتُهُ؟) الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (1/638).
وكما أشار إليه الخطيب الشربيني رحمه الله جلّ وعلا إذ قال:
(لَوْ وَضَعَ سُتْرَةً فَأَزَالَهَا الرِّيحُ أَوْ غَيْرُهَا فَمَنْ عَلِمَ فَمُرُورُهُ كَمُرُورِهِ مَعَ وُجُودِ السُّتْرَةِ دُونَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ) مغني المحتاج (1/421).
هذا وقد اختلف العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في حكم السترة:
فذهب فريق منهم إلى أنّها واجبة، وذهب الجمهور إلى أنّها مستحبة. كما جاء في حاشية الجمل:
(وَسُنَّ أَنْ يُصَلِّي لِنَحْوِ جِدَارٍ، كَعَمُودٍ، ثُمَّ إنْ عَجَزَ عَنْهُ فَلِنَحْوِ عَصًا مَغْرُوزَةٍ، كَمَتَاعٍ) حاشية الجمل على شرح المنهج (1/436).
فتركها لا يبطل صلاة المصلي، وكذلك مرور مار بين يديه، جاء في البيان للعمراني:
(وإنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَي المُصَلِّي مَارٌّ.. لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ) البيان في مذهب الإمام الشافعي (2/158).
ما هي المسافة التي تكون بين المصلي وسترته؟
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ:
(كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الْجِدَارِ مَمَرُّ شَاةٍ) الجامع الصحيح للسنن والمسانيد (25/142).
يعني: قدر أنْ تمرّ شاة من أمامه وهو يصلي.
وَعَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا:
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَخَلَ الْكَعْبَةَ هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَبِلَالٌ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجَبِيُّ، فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ، قَالَ عَبْدُ اللهِ، فَسَأَلْتُ بِلَالًا حِينَ خَرَجَ مَاذَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ، ثُمَّ صَلَّى وَجَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ نَحْوًا، مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ) الإمام النسائي رحمه الله جلّ جلاله. يعني حوالي متر ونصف تقريبا.
ثمّ إنّ مفسدة المشي في الصلاة أعظم من مرور المارّ بين يدي المصلي؛ لأنّ مشي المصلي قد يكون سببا في بطلان صلاته، خلافا للمرور. وقد نقل الإمام النووي رحمه الله عزّ وجلّ الاتفاق على عدم مشي المصلي لدفع المار بينه وبين سترته، معللا ذلك باحتمال بطلان صلاته بالمشي، فمن باب أولى منع المشي في الصلاة لاتخاذ سترة.
(اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَشْيُ إِلَيْهِ مِنْ مَوْضِعِهِ لِيَرُدَّهُ وَإِنَّمَا يَدْفَعُهُ وَيَرُدُّهُ مِنْ مَوْقِفِهِ لِأَنَّ مَفْسَدَةَ الْمَشْيِ فِي صَلَاتِهِ أَعْظَمُ مِنْ مُرُورِهِ مِنْ بَعِيدٍ بَيْنَ يَدَيْهِ وَإِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ قَدْرَ مَا تَنَالُهُ يَدُهُ مِنْ مَوْقِفِهِ وَلِهَذَا أُمِرَ بِالْقُرْبِ مِنْ سُتْرَتِهِ وَإِنَّمَا يَرُدُّهُ إِذَا كَانَ بَعِيدًا مِنْهُ بِالْإِشَارَةِ وَالتَّسْبِيحِ) شرح النووي على مسلم (4/223).
وعليه فإذا سلّم الإمام من صلاته فلا يشرع للمسبوق المشي لاتخاذ السترة، حرصا على تعظيم السنّة، وهو من الأمور المحمودة في الدِّين، ويؤجر عليه المسلم الأجر العظيم، ولكن إذا كان هذا باسم السنّة المطهّرة واتَّخَذَ أَشكَالًا من التكلّف والتنطّع، وصورًا من الإحداث في الدِّيْن، وسببا لوقوع الفُرْقَةِ في صفوف المسلمين، صار مذموما ومنبوذا.
وما بدأنا نشهده في بعض المساجد من انتشار الشواخص والكراسي بدعوى تحقيق سنّة السترة في الصلاة واحد من أشكال التكلّف والتنطّع؛ فسنّة “السترة” تتحقق بالصلاة إلى جدار المسجد أو أعمدته، فإنْ لم يتيسّر ذلك تحققت بالصلاة إلى ظهر أي مصلٍّ، فإنْ لم يتيسّر ذلك فليس من المشروع أنْ يعمد إلى استصناع شواخص تُملؤ بها المساجد، فقد نهى النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام عن إحداث وسائل العبادة التي لم يكلّف بها المسلمون، وإنّما طلب منهم أنْ يأتوا بها على حسب استطاعتهم، فعن سيّدنا أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال:
(دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، فَقَالَ: مَا هَذَا الحَبْلُ؟ قَالُوا: هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ – يعني استندت إليه في صلاتها – فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ، حُلُّوهُ لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ) متفق عليه.
فإذا كان النبيّ صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه قد نهى عن عقد حبل واحد بين ساريتين لغرض التنشّط للعبادة لما في ذلك من تحمّل المشقة المتكلّفة على النفس، فكيف يكون حال من ملأ المساجد بالشواخص التي لم تأمر بها الشريعة الغرّاء؟
ثمّ إنّ في استحداث هذه الشواخص العديد من المفاسد، كدفع الأموال لغرض استصناعها، والتضييق على مرور المصلّين إلى الصفوف، وتشبيه المساجد بالمقابر المملوءة بشواخص القبور، بل وبعض هذه الشواخص التي أُحدِثَت في المساجد شابهت أشكالا مختلفة ممقوتة، وأحدثت كثيرا من الفتن والنزاعات بين المصلين في مشروعيتها، وسبب كلّ ذلك الجهل والتشدّد بما لا يليق في الدين، ومحاولة الإحداث فيه بما لم يكن على عهد سيّدنا النبي صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم، وعهد الصحابة والتابعين رضوان الله سبحانه عليهم أجمعين.
فنصيحتنا لجميع المسلمين أنْ لا يتكلفوا في الدين ما ليس منه، ولا ينشغلوا بفروع الشريعة عن تحقيق أصولها المتمثلة بالأركان والثوابت في أمور العلم والعمل والقيم والأخلاق.
وأنْ يكتفوا بما منّ الله سبحانه في أغلب مساجدهم بالفرُش المخططة التي تبيّن بداية الصفّ ونهايته، والمسافة التي تفصل بين صفٍّ وآخر، وهذا يكفي لإرشاد المصلين بضرورة عدم المرور أمام مَنْ يصلّي إلا خلف تلك الخطوط.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أهل الجود والكرم.
والله تبارك اسمه أعلم.