2019-12-07
السؤال:
كيف يدعو السالك لشيخه المربي مرعيًا أعلى درجات الأدب في كلماته، وما هي الأمور التي لا تنبغي أدبًا في دعاءه له أو خطابه معه؟
الاسم: سائل
الرد:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أشكرك على تواصلك مع هذا الموقع المبارك.
بدءاً نستلهم بعض هدايات النصوص الشرعية في التوجيه لمعرفة حقّ أهل الفضل والعلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم.
فها هو كليم الله عزّ وجلّ سيّدنا موسى عليه السلام يستلطف بكلامه سيّدنا الخضر عليه السلام متأدباً كما قال ربّنا جلّ وعلا:
{قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [سورة الكهف: 66].
فمع أنّه نبيٌ مرسلٌ ومن أولي العزم فهو يستأذن الوليّ الصالح بهذه الصيغة المباركة الموقِّرة.
وقال جلّ شأنه:
{وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا} [سورة الأحزاب: 67 – 68].
فإذا كان هؤلاء الذين يضلون السبيل استحقوا ذلك المقت العظيم والشرّ الوبيل، فبدلالة النصّ سيكون الذين يهدون السبيل يستحقون التكريم والتوقير والتبجيل.
وقال الرحيم تبارك عزّ وجلّ:
{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [سورة الإسراء: 23].
وقَالَ حضرة النبيّ المعظم صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وآله وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:
(مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلاَّ قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ) الإمام الترمذي رحمه الله العلي جلّ جلاله.
فإذا كان هذا التقدير لأجل السنّ فقط، فما بالك إذا كان لأجل العلم والتربية والإرشاد؟
مع أنّ حق الشيخ على تلميذه، والمرشد على السالك أعظم؛ إذ حقّه كحقّ الوالدين أو أشدّ، فقد قال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:
(إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، أُعَلِّمُكُمْ) الإمام ابن ماجه رحمه الله سبحانه.
قال الإمام أبو يوسف رحمه ربّنا المنّان عزّ شأنه:
(إنّي لأدعو لأبي حنيفة قبل أبوي، ولقد سمعت أبا حنيفة يقول: إنّي لأدعو لحمّاد مع أبوي) الطبقات السنية في تراجم الحنفية (1/28).
وقال الإمام النووي رحمه الله عزّ وجلّ عن أهمية تراجم العلماء:
(إنّهم أئمتنا وأسلافنا، كالوالدين لنا) تهذيب الأسماء واللغات (1/11).
ورحم الله جلّ وعلا القائل:
أقَـدِّمُ أسْـتَـاذِي عَلَى نَـفْـسِ وَالِــدِي *** وَإنْ نَالَنِي مِنْ وَالِدِي الفَضْلُ وَالشَّرَف
فَذَاكَ مُرَبِّي الرُّوْحَ وَالرُّوْحُ جَوْهَرٌ *** وَهَذَا مُـرَبِّي الجِسْمَ وَالجِسْمُ كَالصَّـدَف
ومِن هذه الحقوق التي ينبغي أن يتحلّى بها طالب العلم مع شيخه، والآداب التي ينبغي مراعاتها ما يأتي:
أولا: دوام الدعاء والاستغفار له بظهر الغيب، في حياته وبعد وفاته وتخصيصه بالدعاء في الأوقات الفاضلة، كالدعاء في وقت السحر، وكذلك الدعاء له بطول البقاء، فقد قال سيّد أهل الوفاء عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الأتقياء:
(مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ) الإمام أبو دواد رحمه المعبود سبحانه.
وهذا من أوجب الواجبات وأنفعها، ولو لم يكن في ذلك إلاَّ التشبّه بالرجال الأخيار وبالأئمة الكبار رضي الله تعالى عنهم وعنكم لكفى، أمثال الإمامَيْن أبي حنيفة وأحمد وغيرهما من سلف هذه الأمّة رضي الله سبحانه عنهم جميعا.
قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله جلّت صفاته:
(ما صليت صلاة منذ مات حماد – بن أبي سليمان، شيخه – إلاَّ استغفرت له مع والديَّ، وإنّي لأستغفر لمَنْ تعلّمت منه علمًا أو علَمته علمًا) تهذيب الأسماء واللغات (2/218).
وقال عبد الله بن الإمام أحمد رحمهما الله جلّ في علاه:
(قُلْتُ لأَبِي: أَيَّ رَجُلٍ كَانَ الشَّافِعِيُّ، فَإِنِّي سَمِعتُكَ تُكْثِرُ مِنَ الدُّعَاءِ لَهُ؟ قَالَ: يَا بُنِيَّ كَانَ كَالشَّمْسِ لِلدُّنْيَا، وَكَالعَافِيَةِ لِلنَّاسِ، فَهَلْ لِهَذَيْنِ مِنْ خَلَفٍ، أَوْ مِنْهُمَا عوض؟) سير أعلام النبلاء (8/252).
وقال الإمام إسحاق بن راهويه رحمه الله تبارك اسمه:
(قَلَّ لَيْلَةٌ إِلَّا وَأَنَا أَدْعُو فِيهَا لِمَنْ كَتَبَ عَنَّا، وَلِمَنْ كَتَبْنَا عَنْهُ) فتح المغيث بشرح الفية الحديث للحافظ العراقي رحمه الله تعالى (3/258).
وقال الإمام المزني رحمه الله عزّ وجلّ:
(سمعت أحمد بن حنبل يقول: ستّة أدعو لهم وقت السّحر، أحدهم الشافعي. وقال: ما بتّ منذ ثلاثين سنة إلاّ وأنا أدعو للشافعي) الدر الثمين في أسماء المصنفين (ص: 75).
وقال الإمام ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى:
(رأيت في كتاب عبد الرحمن بن عمر الأصبهاني الْمَعْرُوفُ بِرُسْتَةَ مِنْ أَصْبَهَانَ إِلَى أبي زرعة بخطّه: إعلم رحمك الله إنّي ما أكاد أنساك في الدعاء لك ليلي ونهاري أنْ يمتع المسلمون بطول بقائك فإنّه لا يزال النَّاس بخير ما بقي مَنْ يعرف العلم وحقّه من باطله، ولولا ذاك لذهب العلم وصار الناس إلى الجهل، وقد جاء عن النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قال: يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. وقد جعلك الله منهم فاحمد الله على ذلك فقد وجب لله عزّ وجلّ عليك الشكر في ذلك) الجرح والتعديل للإمام ابن أبي حاتم رحمه ربّنا المنعم (1/341).
ويُسْتَحَبُّ أَيْضًا التَّرَضِّي وَالتَّرَحُّمُ عَلَى الْأَئِمَّةِ رضي الله جلّ وعلا عنهم وعنكم، (فَقَدْ قَالَ الْقَارِئُ لِلرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ يَوْمًا: حَدَّثَكُمُ الشَّافِعِيُّ؟ وَلَمْ يَقُلْ: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. فَقَالَ الرَّبِيعُ: وَلَا حَرْفَ حَتَّى يُقَالَ: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) فتح المغيث بشرح الفية الحديث للحافظ العراقي رحمه الله جلّ في علاه (3/258).
ثانياً: من الأمور التي ينبغي مراعاتها في الدعاء له والخطاب معه أنْ لا يذكره أو يناديه باسمه أو بما يخلّ بمنزلته بل بألفاظ التوقير والاحترام والإجلال، فقد سأل رجلٌ الإمام أحمد رحمه الله جلّ وعلا فقال:
(بِالرَّيِّ شَابٌّ يُقَالُ لَهُ: أَبُو زُرْعَةَ، فَغَضِبَ أَحْمَدُ، وَقَالَ: تَقُولُ شَابٌّ؟ كَالْمُنْكَرِ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَجَعَلَ يَدْعُو اللَّهَ لِأَبِي زُرْعَةَ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ انْصُرْهُ عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ عَافِهْ، اللَّهُمَّ ادْفَعْ عَنْهُ الْبَلَاءَ، اللَّهُمَّ، اللَّهُمَّ فِي دُعَاءٍ كَثِيرٍ) الجرح والتعديل (1/341).
وينبغي في خطاب الشيخ أنْ يتغاضى عمّا يصدر من هفوات، وأنْ لا يبادر بالإنكار عليه، ولا يفتح كثرة المجال بانتقاد تصرفاته إلّا أنْ لا يجد تأويلا لذلك، فيسأل سؤال الجاهل المستفهم، كما كان بعض السلف رضي الله تعالى عنكم وعنهم إذا ذهب إلى معلّمه تصدّق بشيء وقال:
(اللَّهُمَّ اُسْتُرْ عَيْبَ مُعَلِّمِي عَنِّي، وَلَا تُذْهِبْ بَرَكَةَ عِلْمِهِ مِنِّي) المجموع شرح المهذب (1/36).
وكذلك يجب عدم المماراة أثناء الخطاب، قال الإمام الشعبي رحمه الله جلّ جلاله:
(كَانَ أَبُو سَلَمَةَ يُمَارِي ابْنَ عَبَّاسٍ فَحُرِمَ بِذَلِكَ عِلْمًا كَثِيرًا) جامع بيان العلم وفضله (1/518).
وألَّا يضجره بكثرة الأسئلة، ولا يُلح عليه بالإجابة، فمن أدب الصحابة رضوان الله سبحانه عليهم مع سيّد الخلق وحبيب الحقّ عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الكرام أنّهم لم يسألوه إلاَّ عدّة أسئلة كما قال سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما:
(مَا رَأَيْتُ قَوْمًا خَيْرًا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ مَا سَأَلُوهُ إِلَّا عَنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً حَتَّى قُبِضَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كُلُّهُنَّ فِي القرآن) الموافقات للإمام الشاطبي رحمه الله جلّ اسمه (5/375).
كما أنّ عليه أنْ يستشعر التقصير في حقّ شيخه فيُحيل مكافأته على الكريم تعالى شأنه وتقدّست ذاته، فقد قال عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين:
(مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ) الإمام الترمذي رحمه ربّنا العليّ جلّ جلاله.
اللهم احفظ مشايخنا الكرام، واجزهم عنّا خير الجزاء، وارزقنا وأياهم الجوار الدائم للنبي الخاتم صلّى الله عليه وسلّم وآله وصحبه الكرام في الدارين مع العفو والعافية والخدمة التامة.
وصلّى الله تعالى وسلم على عنوان الوفا حضرة سيد الأنام سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الشرفا، ما تحرَّك جفن وغفا.
والله جلّ جلاله أعلم.