2019-12-22
السؤال:
السلام عليكم ورحمه الله تعالى وبركاته، أسال الله سبحانه وتعالى أن تكونوا بصحة وعافية ونور وبركة، والله يحفظكم لنا سندا وخيمة دنيا وأخرى، سيدي
خادمك لديه سؤال بخصوص رجل يقرض الناس أموالا بالدولار والتسديد بالدينار العراقي مع العلم أنّه يحدّد سعر في يوم القرض مثلا يقرض ١٠٠٠ دولار وسعر ١٠٠٠ دولار بالعراقي هو ١٢٠٠٠٠٠ دينار اليوم تسدّد على هذا السعر وعلى موعد يتفقون عليه فما حكم هذا التعامل؟ وجزاكم الله تعالى ألف خير سيدي؟
الاسم: الخويدم
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أهلا بك في هذا الموقع المبارك، وشكرا لك على دعواتك، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يكرمك بمثلها وزيادة، ويرفع قدرك، ويزدك أدباً وأجراً.
إقراض الناس فعل طيّب له أجر وفضل، وهو من صور تعاون بين النّاس، يعطي المقرض من ماله لمقترض إلى أجل متّفق عليه بلا شرط ولا زيادة، وهو ما أشار إليه الله عزّ وجلّ في كتابه العزيز بقوله:
{وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 279 – 281].
ويعيد المقترض ذلك المال بلا مماطلة أو تسويف أو احتيال أو غير ذلك ممّا يكون سببًا في إضاعة أموال الناس، وسببًا في سدّ باب الأغنياء على المحتاجين.
لذا شرع لنا رسولنا الكريم عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين الإحسان في القضاء، لأجل مكافئة وشكر المحسنين من جانب، وتشجيع المقرضين على الاستمرار بإقراض النّاس من جانب آخر، فعَنْ سَيِّدِنَا أَبِي رَافِعٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ:
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا – البكر الفتى الصغير من الإبل -، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ ، فَقَالَ لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا خِيَارًا رَبَاعِيًا – أي مختارة والرباعي من الإبل ما أتى عليه ست سنين ودخل في السابعة -، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَعْطِهِ إِيَّاهُ، إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
ومن حق المقرض أنْ يتخذ من الأسباب التي تضمن له عودة ماله بلا زيادة أو نقصان، منها الكتابة، قال الله جلّ جلاله:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ —} [البقرة: 282].
ومن حقه أنْ يأخذ رهنا لا يعيده إلى صاحبه حتى يعاد إليه ماله، قال عزّ شأنه:
{وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [البقرة: 283].
ومنها: الكفالة، ومنها: اشتراط عودة ماله إليه بلا نقص في القيمة بسبب تقلبات السوق أو غيرها، ويكون القياس على شيء متعارف عليه، وله سعر ثابت كالذهب أو الدولار أو غيرهما، فعَنِ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ:
(كُنْتُ أَبِيعُ الإِبِلَ بِالْبَقِيعِ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، آخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، وَأُعْطِي هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلى الله عَلَيهِ وَسَلمَ، وَهُوَ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، رُوَيْدَكَ أَسْأَلُكَ: إِنِّي أَبِيعُ الإِبِلَ بِالْبَقِيعِ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، آخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، وَأُعْطِي هَذِهِ مِنْ هَذِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيهِ وَسَلمَ: لاَ بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسَعْرِ يَوْمِهَا، مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ) الإمام أبو داود رحمه الله الودود جلّ وعلا.
أمّا الصورة التي نقلتها عن الرجل، أنّه يقرض بالدولار فيحدد ثمنها بالدينار يوم القرض على أنْ يعاد المبلغ إليه يوم السداد بالدينار الذي تم تحديده فلا بأس به، لأنّ القيمة بين العملتين في ذلك اليوم متساوية، ولا بأس أنْ يعاد إليه ماله بأي عملة عندئذ.
أمّا لو اشترط أنْ يعاد إليه المبلغ بالدينار بما يزيد عن قيمة الدولار ذلك اليوم أو يوم السداد فهذا لا يجوز، لأنّها زيادة، والزيادة في القرض ربا محرّم.
وأرجو مراجعة السؤال المرقم (1631) في هذا الموقع المبارك.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.
والله تبارك اسمه أعلم وأحكم.