2020-01-15
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سيّدي الكريم.
نسأل الله عزّ وجلّ دوام الصحة والعافية، سيّدي الحبيب هل يمكن لمَنْ فاته قيام الليل أنْ يقضيه في النهار؟
الاسم: خادمك سالم
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
وأشكرك على دعائك سائلا المولى القدير جلّ جلاله وعمّ نواله لك بمثله وزيادة إنَّه سبحانه سميع مجيب. وبعد:
فقبل الإجابة على السؤال أودُّ أنْ أبيّن لجنابك الوسائل المُعينة على قيام الليل، لأنّه من أثقلِ الطاعات على النفوس، إلاّ مَنْ يسّره الله عزّ وجلّ عليه، ومن هذه الوسائل ما ذكره الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الباري جلّ وعلا في كتابه إحياء علوم الدين حيث قال:
(اعلم أنّ قيام الليل عسير على الخلق إلّا على مَنْ وُفِّقَ للقيام بشروطه الميسرة له ظاهراً وباطناً فأما الظاهرة فأربعة أمور:
الأول: أَنْ لَا يُكْثِرَ الْأَكْلَ فَيُكْثِرَ الشُّرْبَ فَيَغْلِبَهُ النوم ويثقل عليه القيام كان بعض الشيوخ يقف على المائدة كل ليلة ويقول معاشر المريدين لا تأكلوا كثيراً فتشربوا كثيراً فترقدوا كثيراً فتتحسروا عند الموت كثيراً وهذا هو الأصل الكبير وهو تخفيف المعدة عن ثقل الطعام.
الثاني: أنْ لا يتعب نفسه بالنهار في الأعمال التي تعيا بها الجوارح وتضعف بها الأعصاب فإن ذلك أيضاً مجلبة للنوم.
الثالث: أَنْ لَا يَتْرُكَ الْقَيْلُولَةَ بِالنَّهَارِ فَإِنَّهَا سُنَّةُ للاستعانة على قيام الليل.
الرابع: أنْ لا يحتقب الأوزار بالنهار فإن ذلك مما يقسي القلب ويحول بينه وبين أسباب الرحمة قال رجل للحسن يا أبا سعيد إني أبيت معافى وأحب قيام الليل وأعد طهوري فما بالي لا أقوم فقال ذنوبك قيدتك وكان الحسن رحمة الله إذا دخل السوق فسمع لغطهم ولغوهم يقول أظن أن ليل هؤلاء ليل سوء فإنهم لا يقيلون وقال الثوري حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته قيل وما ذاك الذنب قال رأيت رجلاً يبكي فقلت في نفسي هذا مراء —.
وأمّا الميسرات الباطنة فأربعة أمور:
الأول: سلامة القلب عن الحقد على المسلمين وعن البدع وعن فضول هموم الدنيا فالمستغرق الهم بتدبير الدنيا لا يتيسر له القيام وإنْ قام فلا يتفكر في صلاته إلا في مهماته ولا يجول إلا في وساوسه —.
الثاني: خوف غالب يلزم القلب مع قصر الأمل فإنّه إذا تفكر في أهوال الآخرة ودركات جهنم طار نومه وعظم حذره كما قال طاوس: إنّ ذكر جهنم طيّر نوم العابدين —.
الثالث: أنْ يعرف فضل قيام الليل بسماع الآيات والأخبار والآثار حَتَّى يَسْتَحْكِمَ بِهِ رَجَاؤُهُ وَشَوْقُهُ إِلَى ثَوَابِهِ فَيُهَيِّجُهُ الشَّوْقُ لِطَلَبِ الْمَزِيدِ وَالرَّغْبَةِ فِي دَرَجَاتِ الجنان —.
الرابع: وهو أشرف البواعث الحبّ لله وَقُوَّةُ الْإِيمَانِ بِأَنَّهُ فِي قِيَامِهِ لَا يَتَكَلَّمُ بحرف إلا وهو مناج رَبَّهُ وَهُوَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ مَعَ مُشَاهَدَةِ مَا يَخْطُرُ بِقَلْبِهِ وَأَنَّ تِلْكَ الْخَطَرَاتِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى خِطَابٌ مَعَهُ فَإِذَا أَحَبَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَبَّ لَا مَحَالَةَ الْخَلْوَةَ بِهِ وَتَلَذَّذَ بِالْمُنَاجَاةِ فَتَحْمِلُهُ لَذَّةُ الْمُنَاجَاةِ بِالْحَبِيبِ عَلَى طُولِ الْقِيَامِ ولا ينبغي أن يستبعد هَذِهِ اللَّذَّةُ إِذْ يَشْهَدُ لَهَا الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ فَأَمَّا الْعَقْلُ فَلْيَعْتَبِرْ حَالَ الْمُحِبِّ لِشَخْصٍ بِسَبَبِ جَمَالِهِ أَوْ لِمَلِكٍ بِسَبَبِ إِنْعَامِهِ وَأَمْوَالِهِ أَنَّهُ كَيْفَ يَتَلَذَّذُ بِهِ فِي الْخَلْوَةِ وَمُنَاجَاتِهِ حَتَّى لَا يَأْتِيَهُ النَّوْمُ طُولَ لَيْلِهِ —).
أمّا جوابا لسؤالك فإنَّ قضاء قيام الليل بكلّ أنواعه من صلاة أو تسبيح أو استغفار أو قراءة ورد من القرآن الكريم، مشروع.
فقد صح ّعن حضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام أنّه قال: (مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ، أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَصَلَاةِ الظُّهْرِ، كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ جلاله.
وعموم قوله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم:
(مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا) الإمام الطبراني رحمه الله سبحانه.
وعن أمّ المؤمنين السيّدة عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قَالَتْ:
(كَانَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا، وَكَانَ إِذَا غَلَبَهُ نَوْمٌ أَوْ وَجَعٌ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً) الإمام مسلم رحمه الله جلّت قدرته.
فالأحاديث الشريفة الواردة في ذلك تدلّ على أنَّ العبد إذا فاته قيام الليل فإنّه يقضيه من النهار.
ويدلّ الحديث الأخير على أنَّ عدد الركعات التي يقضيها بالنهار هي بمقدار الذي يواظب عليه بالليل إذا أمكنه ذلك، وإلاّ فإنّه يسدّد ويقارب قدر طاقته وما يسمح به ظرفه وشغله بالنهار.
فعَنِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهَا قَالَتْ:
(مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلاَ فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلاَ تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلاَ تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاَثًا) متفق عليه.
علما أنّه ينبغي أنْ لا يكون القضاء في أوقات النهي أو الكراهة أي ينبغي أنْ يكون في وقت الضحى ما بين شروق الشمس وارتفاعها إلى زوال الشمس.
ولمزيد من الاطلاع أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (285، 579) والمشاركة المرقمة (107) في هذا الموقع المبارك.
والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيّدنا محمد خير من قام لله تعالى وسجد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والله جلّ جلاله وعمّ نواله أعلم.