2020-01-15
السؤال:
حضرة الشيخ الفاضل، حفظكم الله تعالى ورعاكم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وتحياتي، سؤالي يتعلق بالرضاع: امرأة يصعب عليها الإنجاب لكنّها أنجبت أخيرا، فظنًّا منها أنّ الله سبحانه وتعالى قد لا يرزقها طفلا آخر، أرادت أنْ تحتفظ على شيء من لبنها لتشربه يتيما في المستقبل فيكون لها كالابن تتصرّف معه في البيت كالأم مع ولدها ولو كبر وبلغ.
هل نيّة الاحتفاظ على اللبن هذه صحيحة؟ وما حكمها الشرعي عند الأحناف؟ جزاكم الله تعالى عنا وعن المسلمين خير الجزاء سيّدي وسهّل أموركم كلّها وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الاسم: عبد الرحمن أبو أحمدين
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يحفظكم وجميع المسلمين من أهوال وفتن الدنيا والآخرة، إنّه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه.
قال ربُّنا جلّت ذاته وعظمت صفاته:
{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ —} [سورة النساء: 23].
وقال حضرة المعظم سيّدنا محمّد صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:
(يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ) الإمام البخاري عليه الرحمة والرضوان.
إنَّ محبّة الولد والإنجاب مطلب فطريّ في الإنسان ومقصد شرعيّ، فها هو خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام يطلب من ربّه عزّ شأنه الولد الصالح، يقول ربّنا تبارك اسمه على لسانه:
{ربِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات/100].
وكذلك سيّدنا زكريا عليه الصلاة والسلام، فيقول الله جلّت عظمته:
{هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} [آل عمران عليهم السلام: 38].
وقبل معرفة الجواب على السؤال، يجب أنْ نعرف ما هي الشروط المحرِّمة بسبب الرضاع عند الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم، وأهمّها ما يأتي:
1- أنْ يكون اللبن لآدمية، سواء أكانت بكراً أو متزوجة، أو بغير زوج، بل َتتَعَلَّقُ الْحُرْمَةُ عندهم بِلَبَنِ الْمَرْأَةِ حتى بَعْدَ مَوْتِهَا، فلا تحريم بتناول غير اللبن كامتصاص ماء أصفر، ولا بلبن الرجل أو البهيمة.
2- أنْ يكون الرضاع في حال الصغر -أي في مدة السنتين- وهذا الشرط باتفاق المذاهب الأربعة، فلا يحرم رضاع الكبير، وهو مَنْ تجاوز السنتين.
3- أنْ يحصل الإرضاع بطريق الفم أو الأنف، وهذا ممّا اتفق عليه أئمة المذاهب أيضا، فالتحريم يحصل بالوُجور (وهو صبّ اللبن في الحلق)، وبالسَّعُوط (وهو صبّ اللبن في الأنف ليصل الدماغ).
4- يجب التحقق من وصول اللبن إلى معدة الرضيع، سواء بالامتصاص من الثدي، أو بشربه من الإناء أو الزجاجة. فإنْ لم يتحقق من الوصول إلى المعدة بأنِ التقم الثدي ولم يعلم أرضع أم لا، فلا يثبت التحريم، للشك في وجود سبب التحريم وهو الرضاع، والأحكام لا تثبت بالشك.
5- أنْ لا يكون اللبن مَشُوبًا بِمَائِعٍ يَغْلِبْ عَلَى اللَّبَنِ، أمّا اللَّبَنَ الْمَغْلُوبَ فلاَ يُؤَثِّرُ فِي التَّحْرِيمِ؛ لأِنَّ الْحُكْمَ لِلأْغْلَبِ، وَلأِنَّ اسْمَ اللَّبَنِ يَزُول بِغَلَبَةِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ.
هذه الشروط بشكل عام على أنّ الرضاع المحرِّم عند السادة الحنفية رحمهم الله تبارك اسمه -ومعهم السادة المالكية رحمهم الله تعالى في ذلك- يكون بالقليل والكثير، ولو بالمصّة الواحدة، أمّا عند السادة الشافعية رحمهم الله عزَّ وجلّ والسَّادة الحنابلة رحمهم الله جل ّوعلا، فيشترط أنْ يكون الرَّضاع خمس رضعات متفرقات فصاعدا. (يراجع الموسوعة الفقهية الكويتية (22/241) وما بعدها، بتصرّف).
وبعد هذا البيان، أقول وبالله تقدّس اسمه التوفيق ومنه العون:
إنّ نيّة هذه المرأة صحيحة، ولا إشكال فيها، وتثبّت الحرمة بينها بين الرضيع إذا تحققت الشروط أعلاه، بل وأحثّها على أنْ تضيف إليها نيّة كفالة يتيم ورعايته، فتنال بذلك معيّة حضرة سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه، حيث قَالَ:
(أَنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ، وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ يَعْنِي: السَّبَّابَةَ وَالوُسْطَى) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ وعلا.
مع ضرورة الانتباه إلى أنّ لا ينسب هذا الطفل لزوجها.
ولزيادة الفائدة يرجى مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (221، 1152، 1647) في هذا الموقع المبارك.
وصلّى الله سبحانه وسلّم على ثُمال اليتامى وعصمة الأرامل، سيّدنا محمّد، خير معين وكافل، وعلى آله وصحبه الأماجد الأماثل.
والله جلّ جلاله أعلم وأحكم.