2020-01-21
السؤال:
سيّدي، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
ما هو الهدف الذي ينبغي على مَنْ يدين بدين الإسلام أنْ يجعله هدفه الشخصي الأول والأعظم؟ (هل هو الجنّة؟ أم مرضاة الله تعالى؟ أم أنْ يؤدّي حقّ مَنْ يعتقد أنّه الخالق والإله المستحق الحقيقي لأنْ يُطاع -وهو الله تعالى-؟ أم تزكية النفس؟ أم الوصول لمقام الإحسان؟ أم ماذا؟)
 جزاكم الله تعالى خيرًا وأحسن إليكم.
الاسم: سائل
 
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
وجزاكم الله عزّ اسمه خير الجزاء، وأحسن عاقبتنا جميعا في الأمور كلها.
فحري بالمسلم أنْ يعرف مراتب الأعمال ودرجاتها، ويحدد الغايات والوسائل، وهذا من الفقه العظيم في دين الله جلّ في علاه.
والغاية التي خلق الله سبحانه عباده من أجلها واضحة جلية في قوله جلّ جلاله: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلّا لِيَعْبُدُوْن} [سورة الذاريات: 56].
ولا يقصد بالعبادة هنا معناها الضيّق من الصلاة والصيام والصدقة والحج فقط، وإنّما العبادة بمفهومها الواسع في الإسلام الذي يجعل الكون والحياة محرابا للمؤمن حيثما كان وأيّنما كان، فالعبادة: اسم جامع لكلّ ما يرضي الله تعالى من أعمال وأقوال، ظاهرة وباطنة، سواء كانت جسدية أو قلبية أو عقلية، فإنّ بذل الصدقات لوجه الله جلّ ثناؤه عبادةٌ، وكذلك تعاونُ النّاس فيما بينهم على قضاء شؤونهم، ونشر الدعوة، وتعريف الخلق بخالقهم ، وإنصافُ النّاس ورفع الظلم ، والخوف من الله جلّ وعلا، والتوكّل على الله عزّ وجلّ والتسبيح والتكبير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكلّ ما سوى ذلك من معروفٍ هو، يحقّق الغاية التي خُلق الإنسان لأجلها.
ولو نظرنا للقرآن الكريم لوجدنا تنوّعَ مقاصد المؤمنين، فلنتشرف بقراءة الآيات الآتية:
يقول ربّنا تبارك اسمه:
{وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} [سورة الرعد: 22].
فعملهم هنا لأجل وجه الله تعالى، وهو المقصد الأسنى.
ويقول العليم تقدّست ذاته: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيْدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيْدُ الآخِرَةَ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 152]. فهم أرادوا الآخرة بعملهم، لأنّهم أرادوا الله سبحانه؛ إذ مريد الدنيا مخالف لأمر الله جلّ وعلا، وأنبّه هنا أنّ المقصود بمريد الدنيا من أشغلته عن الله عمّ نواله ولم يؤد حق الله تبارك اسمه فيها، لأنّ إصلاح الأرض بل زيادة الإصلاح فيها عبادة؛ لأنّ الخالق تباركت ذاته جعل الإنسان خليفة في الأرض وأمره بعمارتها، قال ربّنا جلّ اسمه: {هوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} [سورة سيدنا هود عليه السلام: 61].
فانظر يا رعاك الله جلّت عظمته كيف أمرهم بعمارتها مع توجيههم للرجوع إلى الله سبحانه بالتوبة والاستغفار لكي لا ينشغلوا بالوسيلة فيجعلوها غاية، ومِن ثمّ فكلّ عمل نافع يقوم به المؤمن – ولو كان في ظاهره دنيويا – يؤدي إلى تحقيق الغاية العظمى من العبادة، وهي رضاء الله تعالى، قال عزّ شأنه: {وَعِجْلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [سورة طه: 84].
وقال عزّ شأنه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} [سورة المائدة: 35].
وهنا هم يبتغون الوسيلة من طاعة الله سبحانه، ومن العمل الصالح، لأنّها طريق إرضاء ربهم تعالى وتقدّس.
قال الإمام تقي الدِّين السبكي رحمه الله تعالى:
(والعاملون على أصناف: صنف عبدوه لذاته، وكونه مستحقّاً لذلك؛ فإنّه مستحق لذلك، لو لم يخلق جنَّة ولا ناراً، فهذا معنى قول من قال: ما عبدناك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنَّتك، أي: بل عبدناك لاستحقاقك ذلك، ومع هذا فهذا القائل يسأل الله الجنَّة، ويستعيذ به من النار، ويظن بعض الجهلة خلاف ذلك، وهو جهل، فمَنْ لم يسأل الله الجنَّة والنجاة من النار فهو مخالف للسنَّة؛ فإنّ مِن سنَّة النَّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ذلك، ولمّا قال ذلك القائل للنبيّ صلّى الله عليه ومن والاه وسلّم: إنّه يسأل الله الجنة، ويستعيذ به من النار، وقال: (أَمَا إِنِّي لَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ) الإمام أبو داود رحمه الحق المعبود جلّ جلاله، فهذا سيّد الأولين والآخرين يقول هذه المقالة، فمَن اعتقد خلاف ذلك: فهو جاهل، ختَّال، — وَصِنْفٌ عَبَدُوهُ خَوْفًا مِنْ نَارِهِ وَطَمَعًا فِي جَنَّتِهِ، وَهَذَا جَائِزٌ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ هُوَ دُونَ الصِّنْفِ الْأَوَّلِ، وَكِلَا الصِّنْفَيْنِ يَعْتَقِدُونَ وُجُوبَ الطَّاعَةِ وَاسْتِحْقَاقَهَا ،خَاضِعُونَ تَحْتَ قَهْرِ الرُّبُوبِيَّةِ ، مُنْقَادُونَ تَحْتَ أَعْبَاءِ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ مُسَخَّرُونَ تَحْتَ ذُلِّ الْعُبُودِيَّةِ) فتاوى الإمام السبكي رحمه الله تعالى (2/560).
والخلاصة أنّ الغاية الأساسية للمؤمن هي إرضاء الله تعالى شأنه، وهذا لا يكون إلّا بتأدية حقه جلّ ذكره، ولا يكون ذلك إلّا بعبادته وطاعته، وتزكية النفس هي وسيلة من وسائل إرضائه تعالى، لأنّها من العمل الصالح، ومقام الإحسان ركن من أركان الدين، ولا وصول إليه إلّا بتزكية النفس، والمسلم عندما يسأل ربّه تعالى الجنة التي هي مظهر من مظاهر رضاء الله جلّت ذاته عن عباده لا يعني عبادتها وإنّما يمتثل لأمره سبحانه في سؤاله الجنة، فالسؤال نفسه عبادة ، وهو وسيلة لتحقيق غاية الغايات وهي رضوان ربّ الأرض والسموات سبحانه وتعالى.
فالأعمال مرتبطة بعضها ببعض وتختلف مشاهد المؤمنين في قلوبهم، فمنهم مَنْ ينظر للغاية، ومنهم تغلب على قلبه شهود الوسيلة؛ إذ هي مظهر الرضا الإلهي، فلا تناقض في ذلك، فلكلّ حاله مع الله جلّت صفاته.
وَخَيْر ما أختتم به هذا الجواب، قول ربّ الأرباب جلّ جلاله وعمّ نواله، وأكرمنا سبحانه وإيّاكم كرامة الصالحين يوم الثواب:
{وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ * وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ * كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} [الصافات: 39 – 61].
فهنا ذكر ربّنا جلّ وعلا جملة من النِّعَم المادية والمعنوية في دار الخلد والبقاء وعقّب عليها بقوله {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} ممّا يدلّ على أنّ صدق القَصْدِ والتوجّه بمنهج الله جلّ في علاه صورة جليّة من صور إرادة وجهه الكريم كما بيّنت في هذا الجواب.
أسأل الله العظيم تبارك في عليائه، أنْ يجعل مقصدنا رضوانه، ويسلك بنا سيل أهل كرامته وطاعته، ويدخلنا بحبوحة جنانه، إنّه نعم المجيب.
وصلِّ اللهم على مظهر رحمتك العظمى، سيدنا محمد، جامع الكمالات الكبر، وعلى آله وصحبه، الذين كانت سرائرهم معلّقة بالعلي الأعلى جلّ وعلا.
والله جلّ جلاله وعمّ نواله أعلم.