2020-01-24
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. جزاكم الله تعالى عنّا وعن المسلمين جميعا خير الجزاء سيّدي.
سؤالي ما حكم إهمال الزوج لزوجته من الناحية العاطفية، وتكلّمتُ معه كثيرا وبيّنْتُ له حاجتي ورغبتي في اهتمامه لكن دون جدوى وأشهد الله أنّه على دين وخلق وكرم. ولا تنسونا من دعواتكم المباركة لخادمتكم.
الاسم: المؤمنة
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكراً جزيلاً على تواصلكم الطيّب مع هذا الموقع المبارك، وبعد:
في البدء ينبغي أنْ نعلم:
أولاً: أنّ المرأة أكثر عاطفة منَ الرَّجُل فطرةً؛ فلقد جَبَلها الخالق العظيم جلّ جلاله وعمّ نواله على ذلك ليتناسب مع وظيفتها في كونها تُحيط زوجها وأولادها بالحنان والرعاية.
ثانياً: فإنّ البشر على نحو عام، والرجال على نحو خاص، متفاوتون في صفاتهم المعنوية، فبعضهم يغلب تفاعله الواقعي والعقلاني والعملي على عواطفه، وهناك العكس، كما أنّ منهم مَنْ قد يملك عواطف جيّاشة ولكنّه لا يُحسن التعبير عنها، ولا ننسى أيضاً ما يتعرّض له الزوج من ضغوط العمل وواجباته الاجتماعية الأخرى، وما أجمل مقولة سيّدنا جعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهما إذ قال:
(إِذَا بَلَغَكَ عَنْ أَخِيكَ الشَّيْءُ تُنْكِرُهُ فَالْتَمِسْ لَهُ عُذْرًا وَاحِدًا إِلَى سَبْعِينَ عُذْرًا، فَإِنْ أَصَبْتَهُ وَإِلَّا قُلْ: لَعَلَّ لَهُ عُذْرًا لَا أَعْرِفُهُ) الإمام البيهقي رحمه الله الوليّ جلّ وعلا.
هذه النصيحة تجاه الصَّدِيق والأخ فكيف مع الزوج الذي أمر الشرع الشريف بصونه وطاعته في المعروف، ومراعاة منزلته وعظيم حقّه؛ قال الحبيب المحبوب صلى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه أتقياء القلوب: (لَا يَصْلُحُ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ، وَلَوْ صَلَحَ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ، لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، مِنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا) الإمام أحمد رحمه الله الفرد الصمد عزّ وجلّ.
وَعَنْ سَيِّدِنَا الْحُصَيْنِ بْنِ مِحْصَنٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: (أَنَّ عَمَّةً لَهُ أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ، فَفَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَذَاتُ زَوْجٍ أَنْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: كَيْفَ أَنْتِ لَهُ؟ قَالَتْ: مَا آلُوهُ إِلَّا مَا عَجَزْتُ عَنْهُ، قَالَ: فَانْظُرِي أَيْنَ أَنْتِ مِنْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ جَنَّتُكِ وَنَارُكِ) الإمام أحمد رحمه الله جلّ شأنه.
وما ذاك إلا لحماية هذه الأسرة التي أُنشأت بكلمة الله عزّ شأنه، التي أوجدت بين الزوجين ميثاقاً غليظاً وصفه سبحانه بقوله الكريم: {— وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} [سورة النساء: 21].
كما ينبغي ألّا ننسى بأنّ الشيطان يحاول بشتى الطرق أنْ يزرع النزاع والشقاق بين الأزواج والأحبّة والإخوة والأصدقاء لكي يهدم الأُسر ويفرّق الجماعات، ولذا جاء قوله جل في علاه: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا —} [سورة فاطر: 6].
وقوله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين: (إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ، قَالَ الْأَعْمَشُ: أُرَاهُ قَالَ: فَيَلْتَزِمُهُ) الإمام مسلم رحمه الله جلّ جلاله.
وهدايات الآية الكريمة تدعونا لأخذ الحذر وسدّ الباب على الشيطان، وعلى النفس الأمّارة بالسوء التي قد تجعلنا نَقْصُر النظر على بعض سلبيات أحبابنا ونُعظمها، وننسى إيجابياتهم الكثيرة ونُصغّرها، وقد نكون متأثرين ببعض ما نُشاهد على شاشة التلفاز من عرض صور وقصص عاطفية مبالغ فيها تجعلنا نقارن بين أحوالنا وما نراه على تلك الشاشة؛ فيستغلّها الشيطان لنشتكي ونتذمّر من أحوال أزواجنا وأحبابنا.
وعلى كلّ حال فالعَلاقة بين الزوجين في شريعة الإسلام ينبغي أنْ تكون في ضوء هدايات قوله جلّ جلاله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة الروم: 21].
والحبُّ رزقٌ كريم قد لا يناله كلّ أحد، وهذا لا يمنع أنْ تُبنى البيوت على الرحمة والاحترام والتعلّق بهمّة الحفاظ على الأسرة وحُسن تربية الأولاد والبلوغ بهم إلى معالي التفوّق والمجد، وما أعظم قول سيّدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وعنكم لرجل أراد أنْ يطلّق زوجته لأنّه لا يُحبها: (وَيْحَك! وَكَمْ مِنَ البُيُوْتِ تُبْنَى عَلَى الحُبِّ؟ فَأَيْنَ الرِّعَايَةُ وَأَيْنَ التَذَمُّمُ؟) عِشرة النساء للإمام النسائي رحمه الله الباري تبارك اسمه ص 177.
والتذمّم: وهو التحرّج من أنْ يصبح الرَّجل أو المرأة مصدرًا لتفريق الشمل وتقويض البيت وشقوة الأولاد، وما قد يأتي من وراء هذه السيئات من نكد العيش وسوء المصير.
وفي سورة النّساء هدايات كريمة في ضرورة المحافظة على الأُسرة حتى لو وصل الحال بين الزوجين إلى مرحلة الكراهية – لا سَمَحَ الله تعالى- قال سبحانه: {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} [سورة النساء: 19].
ففي الآية المباركة دعوة إلى التريّث والمصابرة حتّى في حالة الكراهية، فكيف بما دون ذلك، كما وتدعونا الآية الشريفة إلى النظر في العقبى النافعة على الصبر في الدنيا والآخرة، قال عزّ وجلّ: {فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} [سورة النساء: 19].
فعليكِ أيّتها الأخت الكريمة أنْ تتجاوزي هذا الأمر وتتعلقي بما هو أبقى وأعظم، ففي حبّ الله جلّ وعلا، ورسوله الكريم عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين، وعباده الصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم، سلوى للأرواح المتطلعة إلى نعمى الحياة الخالدة، ولا يعني هذا، التخلّي عن واجبك الشرعي تجاه زوجكِ الحبيب، أو أنْ تخبو مشاعركِ نحوه، بل بالعكس ينبغي أنْ تُبدعي في إظهار كلّ ما هو جميل وحسن من الكلام والمظهر والمشاعر، ففي ذلك كلّه أجرٌ عظيم ورفعة لجنابك في الدنيا ويوم الدين، وبه تتحققين بنور وبركات قول النبيّ الكريم صلوات ربّي وسلامه عليه وآله وصحبه: (مَا اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ، إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ) الإمام ابن ماجه رحمه الله تعالى.
أمّا سؤال جنابك عن حكم إهمال الزوج لزوجته من الناحية العاطفية فهذا أمرٌ حرامٌ في شريعة الإسلام، فمِنْ واجبات الزوج كفاية زوجته من هذه الناحية لأنها من مقتضيات تحصين الزوجة، وهي من غايات الزواج الأساسية، وبالطبع فهذا يصح وينطبق على الزوجة تجاه زوجها كذلك.
وينبغي العلم بأنّ الحاجات العاطفية تشمل المعاشرة الزوجية، ولقد تكلم العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في هذا الشأن، وحذروا من التقصير فيه، وتحديد مثل هذا الأمر متروك بحسب أحوال الزوجين، فهو أمر نسبي يختلف من أسرة لأخرى، ولكن الضابط فيه عدم التقصير وحصول الكفاية فيه دون إفراط أو تفريط، كذا فالجانب العاطفي لا يقتصر على ما تقدم بل يتعدى ذلك ليشمل لطيف الكلمة واللمسة والهدية والثناء الحسن على الزوجة بما هي أهلٌ له وزيادة، فكم من كلمة جميلة تحمل سيلاً من العواطف الجياشة؛ ومِنْ هنا أجاز العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم ان يبالغ الرجل بوصف زوجته وتشبيهها بالقمر أو بأنها أجمل من ذلك على الرغم مما في بعض ما يقول أهل الشعر والغزل مِنْ مبالغة أو كذب لما في ذلك من تودد وتحبب يقوي العلاقة الزوجية ويجعلها أكثر حميمية وقوة، فعلى الزوج أن يتقي الله تعالى ويُراعي هذه الأمور ويُحاول أن يجتهد فيها مُبتغيا بذلك وجه الله تعالى، فإن كل ذلك من أسباب الأجر والرفعة كما هو معلوم في شريعة الإسلام المباركة، ففي الجانب الأول قول الحبيب صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم: (— وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ) الإمام مسلم رحمه الله المنعم جلّ وعلا.
وفي الجانب الثاني قوله الكريم: (إِنَ أَعْظَمَ الصَّدَقَةِ لُقْمَةٌ يَضَعُهَا الرَّجُلُ فِي فَمِ زَوْجَتِهِ) الإمام البخاري رحمه الله الباري جلّ جلاله.
وقوله الكريم: (وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ) متفق عليه.
والصور والشواهد في ذلك كثيرة، وأخيراً فإنّ للدعاء بظهر الغيب أثره الفاعل في تغيير الأمور، كما علّمنا مولانا الغفور في قوله المبارك: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [سورة الفرقان: 74].
أسأل الله تعالى أنْ يُوفقكم لمراضيه، ويملأ داركم بالحبّ والرحمة والمودة إنّه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه.
وأرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (215، 556، 622) في هذا الموقع المبارك.
والله تبارك اسمه أحكم وأعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.