2020-01-24
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سيّدي، جزاكم الله سبحانه كلّ خير على هذا الموقع المبارك وأدامكم لنا وللناس أجمعين.
سيّدي سؤالي هو: ما حكم التفات الإمام على المصلّين بعد صلاة الفريضة؟ هل فيه أدلة صحيحة أم هو اجتهاد من الإمام؟ وجزاكم الله تعالى كلّ خير سيّدي.
 
الاسم: علي
 
 
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
وشكرا لتواصلكم مع هذا الموقع المبارك ودعواتكم الصادقة.
إنّ هذه المسألة وردت فيها أدلة من السنّة النبوية الشريفة لبيان فعله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، منها ما روي عَنْ سيّدنا سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ رضي الله تعالى عنه قَالَ: (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى صَلاَةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله جلّ في علاه:
(وَسِيَاقُ سَمُرَةَ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَانَ يُوَاظِبُ عَلَى ذَلِكَ، قِيلَ الْحِكْمَةُ فِي اسْتِقْبَالِ الْمَأْمُومِينَ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَقِيلَ الْحِكْمَةُ فِيهِ تَعْرِيفُ الدَّاخِلِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ انْقَضَتْ إِذْ لَوِ اسْتَمَرَّ الْإِمَامُ عَلَى حَالِهِ لَأَوْهَمَ أَنَّهُ فِي التَّشَهُّدِ مَثَلًا، وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: اسْتِدْبَارُ الْإِمَامِ الْمَأْمُومِينَ إِنَّمَا هُوَ لِحَقِّ الْإِمَامَةِ فَإِذَا انْقَضَتِ الصَّلَاةُ زَالَ السَّبَبُ، فَاسْتِقْبَالُهُمْ حِينَئِذٍ يَرْفَعُ الْخُيَلَاءَ وَالتَّرَفُّعَ على الْمَأْمُومين) فتح الباري (2/334).
وما روي عن سيّدنا البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: (كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ، يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) الإمام مسلم عليه الرحمة والرضوان.
فكان يلتف إليهم لأنّ أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم أجمعين كانت لا تطيب نفوسهم ولا تقرّ أعينهم إلا برؤيته ومشاهدته حبًّا له، وإيمانا فيه، كما روي عن سيّدنا أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي إِذَا رَأَيْتُكَ طَابَتْ نَفْسِي وَقَرَّتْ عَيْنِي —) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد جلّ جلاله.
وقد ذكر الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم من المذاهب الأربعة المباركة ذلك فهم يستمدّون ويستندون في فتواهم إلى نصوص الكتاب الكريم والسنّة النبوية المطهّرة، فمِنْ ذلك ما قاله السادة الحنفية رحمهم الله سبحانه:
(يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ التَّحَوُّلُ لِيَمِينِ الْقِبْلَةِ يَعْنِي يَسَارَ الْمُصَلِّي لِتَنَفُّلٍ أَوْ وِرْدٍ. وَخَيَّرَهُ فِي الْمُنْيَةِ بَيْنَ تَحْوِيلِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا وَأَمَامًا وَخَلْفًا وَذَهَابِهِ لِبَيْتِهِ، وَاسْتِقْبَالِهِ النَّاسَ بِوَجْهِهِ وَلَوْ دُونَ عَشَرَةٍ) الدر المختار وحاشية الإمام ابن عابدين رحمه الله عزّ وجلّ (1/531).
قوله (وَلَوْ دُونَ عَشَرَةٍ) أي أنّه صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه، كان يستقبل الناس بوجهه الشريف وإنْ كان عددهم قليلا.
فكان غالب أمره يجلس متوجها بنوره المشرق على أصحابه الكرام رضي الله جلّ وعلا عنهم وعنكم، وما يروى عن خروجه بعض الأحيان فإنّما لحاجة في بيته، أو تصدّق على مسكين.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والله سبحانه أعلم وأحكم.