2020-02-17
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أسأل الله تعالى أنْ يحفظكم ويوفقكم ويطول بعمرك ويكثر من علمك عندي سؤال سيدي:
كثيرا ما أسمع وأقرأ عن أقوال وكتب وفتاوى الشيخين الجليلين ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى بين مؤيد ومعارض، وبين مستشهد به وناقد له من قبل علمائنا ومشايخنا الكرام، كيف نفهم سبب هذا الخلاف؟ وأيهما على الحقّ؟
وجزيل الشكر والتقدير.
 
الاسم: أبو مريم
 
 
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
ولك بمثل ما دعوت، وأسأل الله المنّان جلّ شأنه أنْ يمنّ علينا بالعلم النافع الذي يتصافح فيه العقل والقلب في ساحة الإخلاص لله جلّت ذاته، وتحت سبحات تعظيمه تقدّست ذاته وعظمت صفاته.
قال الحيّ القيوم تبارك اسمه: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [سورة الحشر: 10].
بدءاً: أستغرب هذا السؤال الذي يحمل في طيّاته أنّ بعض العلماء والمشايخ ينقد بعضاً من علماء الأمّة رضي الله جلّ وعلا عنهم وعنكم، فإنْ كنت أيها السائل الكريم تقصد مشايخنا الذين نعرفهم فنحن نبرأ إلى الله سبحانه من الطعن في سلف الأمّة أو خلفها رضي الله عزّ وجلّ عنهم جميعا، من الماضين أو الحاضرين، لكنّنا نبيّن الحكم الشرعي الذي يروى عنهم ونتوثق نسبته إليهم إنْ كان صائبا أو لا.
أمّا التشهير والاستنقاص بأحد منهم، فنعوذ بالله عزّ جاره من ذلك فإنّ هذا ممّا يورد المهالك.
أمّا إنْ كنت تقصد أناسا آخرين، فإنّ هذا الموقع المبارك لم يؤسس لتشريح الناس وتقسيمهم إلى فئات، فنحن نسكت عن الماضين، ونقول كما أّدّبنا ربّنا تقدّس اسمه: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [سورة الحشر: 10].
ثمّ أُثنِّي في الجواب بهذه الكلمات النافعات بإذن الله سبحانه والتي هي بمثابة ورقة عمل في هذه المسألة ومثيلاتها:
1- إنّ منهج السلف رضوان الله تعالى عليهم، هو التأدّب مع أهل العلم، والترضي عنهم، والترحّم عليهم، أحياءً وأمواتا، قديما وحديثا، كما هو موَّضح في الآية الكريمة المصدّر بها الجواب، قال الحافظ ابن عساكر رحمه الله جلّ وعلا: (اعْلَمْ أَخِي وَفَّقَنِي اللهُ وَإِيَّاكَ لِمَرْضَاتِهِ وَجَعَلَنِي وَإِيَّاكَ مِمَّنْ يَخْشَاهُ وَيَتَّقِيْهِ حَقَّ تُقَاتِهِ، أَنَّ لُحُوْمَ العُلَمَاءِ مَسْمُوْمَةٌ، وَعَادَةَ اللهِ تَعَالَى فِي هَتْكِ أَسْتَارِ مُنْتَقِصِيْهِمْ مَعْلُوْمَةٌ) تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري للحافظ ابن عساكر رحمهما الله تعالى ص29. وقال أيضا: (وَكُلُّ مَنْ أَطْلَقَ لِسَانَهُ فِي العُلَمَاءِ بِالثَّـلْبِ ابْتَلَاهُ اللهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِمَوْتِ القَلْبِ) نفس المصدر ص425.
2- على كلّ مسلم أنْ يفهم دين الله سبحانه فهما صحيحا، فشرعة الإسلام شرعة فريدة لا تدانيها أفكار وفلسفات، وهي عظيمة بما استودع الحق جلّ اسمه فيها من مسايرة لكلّ زمان ومكان، فالاختلاف المنضبط في فهم النصوص أمر طبيعي فيها.
3- لا إنكار في مسائل الاجتهاد، قال الإمام النووي عليه رحمة ربّنا الغنيّ: (وَإِنْ كَانَ مِنْ دَقَائِقِ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالِاجْتِهَادِ لَمْ يَكُنْ لِلْعَوَامِّ مَدْخَلٌ فِيهِ وَلَا لَهُمْ إِنْكَارُهُ بَلْ ذَلِكَ لِلْعُلَمَاءِ ثُمَّ الْعُلَمَاءُ إِنَّمَا يُنْكِرُونَ مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ أَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَلَا إِنْكَارَ فِيهِ) شرح الإمام النووي على مسلم رحمهما الله جلّ وعلا (2/23).
4- الاختلاف العلمي محصور بين أهل الاختصاص من أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم، وإقحام عامّة الناس فيه خطأ جسيم، وذنب عظيم له آثاره النفسية والتربوية والعلمية والدعوية؛ لأنّ ذلك سيكون سببا في نشر الفوضى الفكرية، وانتقاص العلماء رضي الله عزّ وجلّ عنهم وعنكم، وانقسام المجتمع وتصارع القلوب، ويكفي العوام السير خلف أهل العلم رضي الله عزّ كماله عنهم وعنكم، الذين أجمعت الأمّة على جلالتهم وورعهم وإخلاصهم وأهليتهم.
5- إنّ الشيخين الجليلين: ابن تيمية، وابن القيم، رحمهما الله تبارك اسمه من متأخري علماء المذهب الحنبلي ولم يدّعيا أنّهما يملكان الحق المطلق، قال الإمام مالك عليه الرحمة والرضوان من الربّ المالك: (كلّ أحد يؤخذ منه ويردّ إلّا صاحب هذا القبر صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم) المقاصد الحسنة ص513.
وهما مع عموم الأمّة باستثناء مسائل خالفا فيها الجمهور، فحدثت محاورات ومجالس علمية ابتغاء الوصول للحقّ، وليس من الفقه والدين استجلاب تلك الصراعات الفكرية في زمان له ظروفه وأوضاعه إلى زمان آخر، مثقل بهجوم واسع من أعداء الدين في الداخل والخارج، وصل التشكيك فيه إلى مستوى يصدق فيه قول القائل:
وَلَيْسَ يَصِحُّ فِي الأَذْهَانِ شَيْءٌ *** إِذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إِلَى دَلِيْلِ
6- إنّ الشيخين ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله سبحانه، قد أساء إليهما الكثير ممّن انتسب إليهما مع البُعد الشاسع بين فهمها وفهم المنتحلين مذهبهما.
قال حضرة الشيخ عبد الله الهرشمي طيّب الله تعالى روحه وذكره وثراه في حق الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى: (ولسنا نرى بأساً بتوقير الشيخ الفاضل وهو من علماء الأمّة المتأخرين في منقلب القرنين السابع والثامن الهجريين – رحمه الله بلطفه ورحمهم وجزاهم جميعاً خير جزاء – لكنْ حسبانه مِنْ أولياء هذه الفرقة المحدثة فيه من الإساءة إليه ومن مجافاة الحقيقة ما لا ينبغي السكوت عنه) معالم الطريق في عمل الروح الإسلاميّ ص158.
وقال قدِّس سرّه: (أمّا تلميذه المؤلف المفضال الشيخ ابن قيم الجوزية – وهو كأستاذه قد تعرض اسمه للدسّ والاستغلال – فلا ينبغي عليَّ أنْ أنقل رأيه في التصوّف الإسلامي، فإنّهُ هو قد ألّف في التصوّف (كتاب مَدارِجِ السالكينَ) في ثلاثة أجزاء فينبغي على الرفيق القارئ أنْ يطَّلِعَ عليه ويقرأهُ) نفس المصدر ص 160.
ولمزيد من الاطلاع أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1602) في هذا الموقع المبارك.
وختاماً: أستفهم من الأخ السائل وفّقه الله تعالى لكلّ خير، إنْ كان سمع أحدًا من طلابي يذكر أحد الشيخين رحمهما الله جلّ ثناؤه بسوء، فأرجو أنْ يخبرني به حتى أوجهه وأنصحه؛ لأنّني ما علّمتهم هذا، وإنّما ربيّتهم على توقير واحترام كلّ مَنْ ينتسب إلى العلم نسبة نصيحة.
وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.
والله عزّ وجلّ العليم العلّام أعلم.