2020-02-17
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سيّدي، جزاكم الله كلّ خير على هذا الموقع المبارك، وأدامكم الله لنا وللناس أجمعين.
عفوا سيّدي سؤالي عن قول الله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد) عفوا سيّدي هو جزء من آية، لكن ما معنى أنزلنا؟ هل يعني أنّ الحديد أنزل من السماء؟ أم له معنى آخر؟ وجزاكم الله تعالى كلّ خير سيدي.
الاسم: نبيل
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاتهُ.
جزاكم الله تبارك اسمه على تواصلكم مع هذا الموقع المبارك، ودعائكم الطيّب، وأدعو لكم بمثله.
ذكر ربنا جلّ جلاله وعمَّ نواله في كتابه العزيز: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [سورة الحديد: 25].
وذكر علماء التفسير رحمهم الرحيم الرحمن لفظة {وَأَنْزَلْنَا} وأريد بها عدّة معانٍ، منها:
1- {وَأَنْزَلْنَا} أي وجعلنا الحديد رادعا لمَنْ أبى الحقّ وعانده بعد قيام الحجة عليه. وهذا ما ذكرهُ الإمام ابن كثير رحمه الله عزّ وجلّ في تفسيره.
2- {وَأَنْزَلْنَا} أي أنشأناه وخلقناه كقوله سبحانه:
{— وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ —} [سورة الزمر: 6]، أي خلق، وقيل: أخرجناه من المعادن {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} يعني السلاح يقاتل به مَنْ أبَى الحقّ وعانده بعد قيام الحجة عليه {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} في معايشهم كالفأس والمنشار وسائر الأدوات والآلات. وهذا ما ذكرهُ الإمامان الجليلان رحمهم ربنا سبحانه في كتابهما تفسير الجلالين.
3- قال الإمام الطبري رحمه الله جلّ جلاله في تفسيره: يَقُول تَعَالَى ذِكْره: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} يَقُول: فِيهِ قُوَّة شَدِيدَة، وَمَنَافِع لِلنَّاسِ، وَذَلِكَ مَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ مِنْهُ عِنْد لِقَائِهِمْ الْعَدُوّ، وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ مَنَافِعه. عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: ثَلَاثَة أَشْيَاء نَزَلَتْ مَعَ آدَم صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ: السِّنْدَان، وَالْكَلْبَتَانِ، وَالْمِيقَعَة، وَالْمِطْرَقَة.
والسِّنْدَان: الآلة التي يطرق الحداد عليها الحديد.
وَالْكَلْبَتَانِ: الآلة التي تكونُ مع الـحَدَّاد يأْخُذُ بها الحديد الـمُحْمَى.
وَالْمِيقَعَة: الخشبةُ التي يُدَقُّ عليها.
فالإمام الطبري رحمه الله جلّ ذكره يحملُ الإنزال على حقيقته، وإنْ كنّا نجهل كيفيته، وهذا ما أرجحه إذ لا مانع من ذلك، فقد ذكر القرآن الكريم إنزال عدّة أشياء منها:
1- أنزل الله جلّ في علاه المنّ والسلوى على بني إسرائيل فقال: {— وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ —} [سورة البقرة: 57].
2- أنزل عقابا من السماء على الذين ظلموا: {— فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ —} [سورة البقرة: 59].
3- أنزل الكتب والشرائع التي تفضي إلى العدل: {— وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ —} [سورة الحديد: 25].
4- أنزل الماء من السماء فأحيا به الأرض بعد موتها: {— وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [سورة الفرقان: 48].
فالغاية من الإنزال إمّا أنْ تكون: لإيجاد بيئة صالحة للحياة، أو للهداية، أو للعذاب.
وبهذه المعاني أشار أغلب المفسرين من سلفنا الصالح رحمهم الله جلّ ذكره في تفاسيرهم.
اللهمّ صلّ وسلّم على سيّدنا محمّد صلاة تَهبُ لنا بها أكمل المراد وفوق المراد، في دار الدنيا ودار المعاد، وعلى آله وصحبه عدد ما علمتَ، وزنة ما علمتَ، وملءَ ما علمتَ.
والله جلّت قدرته أعلم.