2020-02-19
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سيّدي الكريم، جزاكم الله جلّ وعلا الخير كلّه على ما تقدّموه في هذا الموقع المبارك سائلا الحقّ جلّ جلاله أنْ يمنّ على حضرتكم بالمزيد إنّه سبحانه ولي التوفيق.
ثبت في الحديث الصحيح قول النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم (إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ فَصَلُّوا، وَادْعُوا اللَّهَ)
فكيف نوفّق بينه وبين ما رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى عن سيّدنا جابر رضي الله تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَلَمَّا كَانَ قُرْبَ الْمَدِينَةِ هَاجَتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ تَكَادُ أَنْ تَدْفِنَ الرَّاكِبَ فَزَعَمَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: بُعِثَتْ هَذِهِ الرِّيحُ لِمَوْتِ مُنَافِقٍ. فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَإِذَا مُنَافِقٌ عَظِيمٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ قَدْ مَاتَ) وفي رواية أخرى ذكرها أهل السير أَنَّهُ (هَبَّتْ عَلَى النَّاسِ رِيحٌ شَدِيدَةٌ آذَتْهُمْ وَتَخَوَّفُوهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَخَافُوهَا، فَإِنَّمَا هَبَّتْ لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَاءِ الْكُفَّارِ. فَلَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ وَجَدُوا رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ، أَحَدَ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَكَانَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَاءِ يَهُودَ، وَكَهْفًا لِلْمُنَافِقِينَ، مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ)
مع جزيل الشكر والتقدير.

الاسم: مثنى.

الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
وجزاكم الله عزّ وجلّ خير الجزاء، وجزى كلّ مَنْ ساهم في إعداد هذا الموقع المبارك، والقائمين عليه، ومَنْ أمدّه بعلم أو دعوة أو مشاركة، ومَن ارتاده أو دلّ عليه، وأسأله جلّ وعلا أنْ يجعل عملنا خالصا مقبولا نافعا إنّه سبحانه أكرم الأكرمين.
في البداية أودّ أنْ أبيِّن أنّ الظواهر الكونية بشكل عام قد تكون فيها نجاة وغيث للعباد، أو عقوبة وعذاب والعياذ بالله تعالى، والأدلّة على ذلك كثيرة منها قوله جلّ وعلا: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الروم: 46].
وقوله عزّ شأنه: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأحقاف: 24].
وقد كان حضرة خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين يُرى على وجهه الشريف القلق والاضطراب إذا هبّت الريح، فعن السيّدة عائشة رضي الله تعالى عنها أَنَّهَا قَالَتْ: (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ، قَالَ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، قَالَتْ: وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ، تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَخَرَجَ وَدَخَلَ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ، سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: لَعَلَّهُ، يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} [الأحقاف: 24]) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
فلكلّ حالة خصوصيتها، وقد تكون دلالة على شيء، وعلى ما يخالفه في بعض الأحوال.
أمّا بالنسبة للسؤال فالحديث الأوّل: وهو حديث الكسوف فقد روى سيّدنا جَابِر رضي الله تعالى عنه قَال: (انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّاسُ: إِنَّمَا انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ) وفيه: (فَانْصَرَفَ حِينَ انْصَرَفَ وَقَدْ آضَتْ الشَّمْسُ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَإِنَّهُمَا لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ) الإمام مسلم رحمه ربنا المنعم جلّ وعلا.
ومعنى قوله (آضَتْ الشَّمْسُ) رَجَعَتْ إِلَى حَالِهَا الأَوَّلِ قَبْلَ الكُسُوْفِ.
فحديث الكسوف رَدٌّ عَلَى اعْتِقَادِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ تُكْسَفَانِ لِمَوْتِ الْعُظَمَاءِ، وحديث الريح يثبت أنّ هبوبها كان لموت عظيم من عظماء المنافقين، فظاهرهما كأنّهما متعارضان، ولا تعارُض في الحقيقة، فقد قال الإمام النووي رحمه ربّنا القوي عن هذه الريح: (عُقُوْبَةً لَهُ، وَعَلَامَةً لِمَوْتِهِ وَرَاحَةَ البِلَادِ وَالعِبَادِ مِنْهُ) شرح الإمام النووي على صحيح مسلم رحمهما الله عزّ شأنه (17/127).
أمّا عقوبة فلأنّ الرياح منها ما هو عقوبة، كما قال حضرة رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ: (الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ، وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا، فَلَا تَسُبُّوهَا، وَسَلُوا اللَّهَ خَيْرَهَا، وَاسْتَعِيذُوا بِهِ مِنْ شَرِّهَا) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد سبحانه.
وأمّا علامة، فقد قال الخطيب البغدادي رحمه ربّنا تبارك شأنه: (يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى عَرَّفَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ إِذَا هَبَّتْ رِيحٌ فِي يَوْمِ كَذَا، فَاعْلَمْ أَنِّي أُمِيتُ فُلانًا، وَكَفَيتُكَ أَمْرَهُ، فَيَكُونُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ إِخْبَارِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: مَا أَنْكَرْتَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ وَضَعَ عَلَى النُّجُومِ عَلامَاتٍ وَدِلالاتٍ أَنَّهَا إِذَا نَزَّلَتْ بَعْضَ الْبُرُوجِ، دَلَّتْ عَلَى كَذَا؟ قُلْنَا: لا يُنْكَرُ هَذَا لَوْ أَخْبَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ، وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّا وَلَمْ يَأْتِ الْخَبَرُ بِذَلِكَ، فَإِنَّا لا نُجَوِّزُهُ، وَلا نُجَوِّزُ إِلا مَا جَوَّزَتْهُ الشَّرِيعَةُ، أَوِ اجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلَى تَجْوِيزِهِ) القول في علم النجوم (ص: 174).
وأمّا راحة للبلاد والعباد منه، فهذا مصداق ما رواه سيّدنا أَبُو قَتَادَةَ رضي الله تعالى عنه: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ، فَقَالَ: مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ، قالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ: الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ) الإمام البخاري عليه الرحمة والرضوان من العلي المنّان.
وخلاصة الكلام:
إنّ الريح ممّا يتكرر حدوثها ولهذا لم يكونوا يقولون أنّها لموت عظيم، وأمّا الكسوف فكان ممّا لا يتكرر وهو حدث سماوي مستغرب عند بني البشر وفي الجاهلية كانوا يعتقدون إنّه لموت عظيم، فلمّا وافق موت سيّدنا إبراهيم رضي الله تعالى عنه ابن سيّدنا المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتمّ السلام وعلى من والاه إلى يوم الزحام بيّن لهم أنّه لا تعلّق للكسوف بموت ابنه.
وأمّا إشفاقهم من الريح فلتخوفهم من مباغتة المدينة من قبل أعدائهم كما ذكره أهل السير رضي الله سبحانه عنهم وعنكم. ينظر السيرة الحلبية (2/391).
فبيّن لهم عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين أنّ هذه الريح بخصوصها هي عقوبة وعلامة لموت منافق، فليس معنى الحديث أنّ كلّ ريح هي لموت منافق.
وإخباره بسبب الريح من دلائل نبوّته، ولهذا يذكرها أهل السير رضي الله تعالى عنهم وعنكم في باب المعجزات ممّا أخبر به من الغيب، وإلى ذلك أشار الإمام السبكي رحمه الله سبحانه في تائيّته بقوله:
وَقَدْ عَصَفَتْ رِيْحٌ فَأَخْبَرَتْ أَنَّهَا *** مَوْتِ عَظِيْمٍ فِي اليَهُوْدِ بِطَيْبَة.  السيرة الحلبية (2/391).
وصلِّ اللهمّ على الصادق المصدوق سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم، ما أرعد الرعد وما برقت بروق.
والله جلّت ذاته وتقدّست صفاته أعلم.