2020-02-21

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سيّدي قرّة العين أسأل الله تعالى أنْ يمنّ عليكم بتمام الصحة والعافية والتمكين، وأنْ ينفعنا بكم والمسلمين.

سؤالي سيّدي بخصوص ماء الشرب الذي يكون له مكان ثابت داخل المسجد وقد خُصّص للمصلين داخل المسجد: هل يجوز إخراجه خارج المسجد كما نرى بعض الناس يدخل فقط ليشرب الماء ثمّ يأخذ معه كمية بحجم قارورة صغيرة أو كبيرة. هل يعتبر من الوقف الذي لا يسمح إخراجه؟ علمًا أنّ الماء هو من الدولة يتم شربه بعد التصفية، وجزء آخر من الماء غير ثابت مثل كارتون الكاسات الممتلئة بالماء، جزاكم الله كلّ خير عنا وعن المسلمين

 

الاسم: خادمكم عبد الله أحمد الجميلي

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرًا جزيلا لتواصلكم مع هذا الموقع المبارك ودعواتكم الصادقة.

فإنّ الوقف مظهر جميل من مظاهر الحضارة الإسلامية وهو: إزالة العين عن ملكه إلى الله عزّ وجلّ ويصل نفعه إلى عباده.

وإنّ وقف الماء في المسجد نوع منه، أمّا ما يتعلّق بالاستفادة منه خارج المسجد فإنّ الفقهاء رضي الله سبحانه عنهم وعنكم قد جعلوا القاعدة المعروفة:-

(شَرْطُ الوَاقِفِ كَنَصِّ الشَّارِعِ).

من الأسس التي فرّعوا مسائل الوقف عليها فتجد منهم مَنْ حرَّم الاستفادة من هذا الماء خارج المسجد لأنّه سُبِّلَ لمصالح المسجد، والأصل في منافع الوقف أنْ تصرف على الجهة الموقوفةِ عليها، فعن خاتمة محققي المذهب الشافعي شيخ الإسلام ابن حجر الهيتمي رحمه الله جلّ وعلا:-

(أنَّهُ سُئِلَ: عَنِ المَاءِ المُتَصَدّقِ بِهِ لِلطَّهُوْرِ فِي المَسَاجِدِ، هَلْ يَجُوْزُ لِأَحَدٍ نَقْلُهُ إِلَى خَلْوَتِهِ وَادّخَارِهِ فِيْهَا لِلطُّهْرِ بِهِ، مَعَ مَنْعِ النّاسِ مِنْهُ وَالحَاجَة إِلَيْهِ فِي المَسْجِدِ، وَهَلْ يَجُوْزُ مَعَ عَدَمِ ذَلِكَ أَوْ لَا؟ فَأَجَابَ: بِأَنَّ مَنْ تَصَدَّقَ بِمَاءٍ أَوْ وَقْفٍ مَا يَحْصُلُ مِنْهُ الطّهُوْرُ بِمَسْجِدِ كَذَا لَمْ يَجُزْ نَقْلُهُ مِنْهُ لِطَهَارَةٍ وَلَا لِغَيْرِهَا، مُنِعَ النَّاسُ مِنْهُ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ المَاءَ المُسَبَّلَ يَحْرُمُ نَقْلُهُ عَنْهُ إِلَى مَحَلٍّ آخَرَ لَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ، كَالخَلْوَةِ المَذْكُوْرَةِ فِي السُؤَالِ) الفتاوى الفقهية الكبرى (3/266).

وبعضهم رأى جواز الاستفادة خارجه وخصوصا عند عدم الضيق وشحّة الماء في المسجد، خاصة إذا كان في مكان يكثر فيه الماء.

علماً أنّ المياه والكهرباء التي في المسجد الآن تصل عن طريق الدولة مثلها مثل البيوت التي حول المسجد، وقد جرت العادة بالمسامحة في تزود المارّة من مائها من غير إسراف أو إضرار، وجريان العادة بذلك في بلدٍ دون نهي المسبِّل منزّل منزلة رضاه.

وقد تنبّه لذلك محرّر المذهب الحنفي العلامة الشيخ ابن عابدين رحمه الله تعالى حين تكلّم عن الماء الموقوف والوضوء به والإسراف فيه فقال:-

(أَمَّا الْجَارِي كَمَاءِ مَدَارِسِ دِمَشْقَ وَجَوَامِعِهَا فَهُوَ مِنْ الْمُبَاحِ كَمَاءِ النَّهْرِ) الدر المختار على رد المحتار (1/133).

وقال الإمام الجاوي الشافعي رحمه الله عزّ شأنه:-

(وَلَا يَجُوْزُ نَقْلُ المَاءِ المُسَبّلِ لِلشُّرْبِ مِنْ مَحَلّهِ إِلَى مَحَلٍّ آخَرَ، كَأَنْ يَأْخُذهُ للشُّرْبِ فِي بَيْتِهِ مَثَلًا إِلَّا إِذَا عُلِمَ أَوْ قَامَتْ قَرِيْنَةٌ عَلَى أَنَّ مُسَبِّلَهُ يَسْمَحُ بِذَلِكَ. وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا إِذَا أَبَاحَ لَهُ غَيْرُهُ طَعَامًا لِيَأْكُلَهُ لَا يَجُوْزُ أَنْ يَحْمِلَ مِنْهُ شَيْئًا وَلَا أَنْ يُطْعِمَ غَيْرَهُ إِلَّا إِذَا عَلِمَ أَنَّ مُبِيْحَ الطَّعَامِ يَسْمَحُ بِذَلِكَ فَإِنْ شَكَّ حَكَمُ الْعُرْفُ وَالقَرِيْنَةُ) نهاية الزين شرح قرة العين ص36.

ملخّص الفتوى:

أنّ الأمر يتعلّق بنيّة الواقف، فإنْ أوقف الماء لمنفعة المسلمين دون ملاحظة كونها داخل المسجد أو خارجه، فلا بأس بأخذه، وأرجو أنْ يُوَفَّقَ المسلمون ليجعلوا تبرّعاتهم لمقاصد عامّة ولا يحصروها في جهة معيّنة، فبهذه النيّة المباركة الطيّبة يُرفع الحرج عن النّاس، فكثير منهم يستفيد من خدمات المساجد، خاصّة في هذه الأزمنة التي كثرت فيها الفتن والمحن، فأذكر على سبيل المثال:-

انّي حفرت بئرا للماء في جامعي (الإمام مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه) ببغداد الحبيبة، بنيّة النفع العام، وقد استفاد الناس منه كثيرا إبّان انقطاع المياه عن البيوت فترة الحروب.

لكن إذا عرفنا بالتحديد أنّ هذا الماء مخصّص لهذا المسجد ومصليه فعندئذ لا يصحّ لِمَنْ عَلِمَ بهذه النيّة أنْ يأخذ الماء خارج المسجد، وإنّما يستخدمه للحاجة داخله.

والله جلّ جلاله أعلم وأحكم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.