2020-03-11
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سيّدي الكريم نسأل الله عزّ وجلّ لكم دوام الصحة والعافية وأن يحفظكم ذخرا لأمّة خاتم الأنبياء والمرسلين عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم.
سيدّي أرجو من حضرتكم بيان معنى قوله عليه الصلاة والسلام (مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ) لأنّنا نرى البعض يرمي المسلمين بالشرك لأنّهم يمارسون أعمالا لم ترد في شرعنا الحنيف بل الأصل فيها ممارسة غير المسلمين لها ومنها مثلا ما يسمى بـ (عيد الحب) فهل يعدّ ممارسة مثل هكذا طقوس شركا؟ نرجو دعواتكم سيدي الحبيب ونعتذر عن الإطالة خادمكم سالم
 
الاسم: سالم مخلف موسى
 
 
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
جزاك الله عزّ وجلّ خيراً على دعواتك الطيّبة ولك بأفضل منها.
لا مانع شرعا من اتفاق الناس على يوم معيّن ليجعلوه مناسبة اجتماعية خاصّة طالما لم يرد فيها نهيٌّ، كتعارفهم على اتخاذ يوم معيّن لتكريم الأمّ أو العامل أو المعلّم وغيرها، وليس معنى هذا أنّهم لا يُكرّمون إلّا في هذه الأيام، بل يكون لهم فيها مزيد احتفاء وتكريم، يتهادون فيما بينهم، ويظهرون مشاعرهم، ويعبّرون عن حبّهم لهم، جرّاء ما يقدّموه ويبذلوه من خدمة وتفانٍ، وقد قال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:
(إِذَا أَحَبَّ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَلْيُخْبِرْهُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود سبحانه.
وقال: (تَهَادَوْا تَحَابُّوا) الإمام الطبراني رحمه الله عزّ وجلّ.
وفي رواية أخرى قال: (تَهَادَوْا، فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَغَرَ الصَّدْرِ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد جلّ وعلا.
والوَغَر: الحقد والضغْن والعداوة والتوقد من الغيظ، أي: أنّها تزيل العداوة، وتزيد المحبة.
وتسمية البعض لهذا اليوم أو ذاك عيدًا، لا يقصدون به الوصف الشرعي، بل أطلقوا عليه ذلك من العَوْدِ والتكرار، وإنْ كان الأولى ترك هذه التسمية وإطلاق لفظ اليوم بدل العيد.
أمّا قول البعض أنّ ذلك شركٌ لأنّه تشبّهٌ بغير المسلمين، فهذا ليس صحيحا، لأنّ الشرك يعني أنْ يجعل مع الله تعالى إلهًا آخر – عياذا بالله جلّ وعلا – ولا أعتقد أنّ أحدًا من المسلمين يعتقد ذلك، كيف لا وقد قال نبيّنا الأكرم صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم: (إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ جلاله.
أمّا قوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام: (مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود سبحانه.
فليس المراد منه التشبّه المطلق، بل التشبّه بقصد الاقتداء والاعتقاد، وهذا تدلّ عليه كلمة (تَشَبَّهَ) الواردة في الحديث الشريف، فهي على وزن (تَفَعَّلَ) الدالة على المعنى الذي ذكرته.
ثمّ إنّ أصول هذه المناسبة قد نسيت وذهبت بها الأيام ولم يعد أحد من غير المسلمين يذكرها فكيف بالمسلمين؟!
ومع كلّ ما تقدّم أرى الابتعاد عن ذلك تجنّبا للشُبْهَة، قال الحبيب المحبوب صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه أتقياء القلوب: (إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ) الإمام مسلم رحمه الله عزّ شأنه.
وصلى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والله تبارك اسمه أعلم.