2020-03-17
السؤال:
السلام عليكم شيخنا إن شاء الله تكون بخير يا رب عندي سؤال إذا ممكن.. إني ساكنة بتركيا وأشتغل بتجارة الملابس والأغراض المنزلية للعراق.. فكّرت بهذه الأيام نسبة لانقطاع الكمامات بالعراق والحاجة الضرورية لها أنه أرسل مجموعة للعراق.. وللعلم سعر القطعة بتركيا يطلع تقريبا ١٠٠٠ دينار عراقي، وأسعار الصيدليات تبيع بين ٥ آلاف إلى ٧ آلاف.. إذا أنا أفكر أشحن منها وأبيع ممكن أعرف الحد المسموح للسعر بالبيع بحيث إنه ما أدخل بالحرام؟؟ إذا أبيعها بـ ٣٠٠٠ مثلا هل ممكن، لو يعتبر حرام مع أنّه أكيد ما أتجاوز الأسعار الموجودة هناك.. وشكرا جزيلا وبارك الله فيكم وحمانا وإياكم من الأمراض يا رب.
الاسم: فرح
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على تواصلكم الطيّب مع هذا الموقع المبارك، وبعد:
لا يوجد في نصوص القرآن الكريم، ولا في السُنّة المُشرّفة ما يجعل للربح حدًا معينًا أو نسبة معلومة، والظاهر أنّ ذلك متروكٌ لحالة العرض والطلب في السوق، ولضمير الفرد المسلم، وعُرف المجتمع من حوله، مع مراعاة قواعد العدل والإحسان، ومنع الضرر والضرار، التي ينبغي أنْ تحكم تصرفات المسلم وعلاقاته كلها.
فالإسلام لا يفصل بين الاقتصاد والأخلاق، خلافًا لفلسفة النظام الرأسمالي الذي يجعل الربح المادي الفردي هو الهدف الأول، والمحرّك الأكبر للنشاط الاقتصادي الذي لا يلتزم بالضوابط الشرعية الموجودة في النظام الاقتصادي الإسلامي، ولذلك فلا حرج في ابتغاء الربح عن طريق الربا أو الاحتكار، أو بيع المسكرات، أو غيرها ممّا يضرّ بالفرد وبالجماعة، في الدنيا والآخرة.
أمّا الإسلام فله ضوابط شرعية وأخلاقية وتنظيمية، يوجب على كلّ تاجر رعايتها والوقوف عندها، وإلا كان ربحه حرامًا أو مشوبًا بالحرام.
في صحيح السُنّة المشرّفة، وفي عمل الصحابة رضي الله سبحانه عنهم وعنكم، ما يدلّ على أنّ الربح إذا سلم من كلّ أسباب الحرام وملابساته، فهو جائز ومشروع إلى حدّ يمكن لصاحب السلعة أنْ يربح فيها ضعف رأسماله مائة في المائة (100 %) بل أضعاف رأس ماله.
روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى في (كتاب المناقب) من صحيحه عن سيدنا عروة رضي الله تعالى عنه: (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَجَاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، وَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
إلا أنّه ينبغي للتاجر ولنا جميعا في مثل هذه الظروف الحرجة الاتعاظ والاعتبار، وليس الجشع والاستغلال، فحريّ بالمسلم في كلّ حال التخلّق بالسماحة والقناعة، وأنْ يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه، ففي ذلك خير وبركة، وأنْ لا يتمادى في الطمع والجشع، فإنّ ذلك يصدر غالبا عن قساوة القلوب، ولؤم الطباع، وشراسة الأخلاق، ولا يعود على صاحبه إلا بالخسران والندم في الدنيا والآخرة.
أسأل الله جلّ وعلا أنْ يوفقكم والمسلمين جميعاً للإفادة من هذا الدرس الكبير والإسهام في تخفيف معاناة النّاس خصوصاً المرضى والمحتاجين، فالراحمون يرحمهم الرحمن.
وصلّى الله تعالى على النبيّ العدنان وآله وصحبه أولي الفضل والسماحة والإحسان وسلّم تسليما كثيرا ما سارت إلى طيبة الركبان.
والله تبارك اسمه أعلم.