2020-03-20
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سيدي حفظكم الله.
لدي سؤال:
والدي مريض بالجلطة الدماغية ويعاني من النسيان في بعض الأحيان والطبيب أوصى بالحرص الشديد عليه وأوصى بالالتزام بالنظام الغذائي الصحي وكثرة الحركة والمشي إلا أنّ والدي لا يلتزم بأيّ من تعليمات الطبيب وأنا من دون إخواني أعمل على متابعة وضعه الصحي والجسدي كلّ يوم إلا أنّه شديد العصبية ويرفض التعاون معي ويأكل وينام وعندما أطلب منه المشي أو أريد الحديث معه يقوم بالدعاء عليّ بالسوء الشديد لمنعي من متابعته إلا إنّ ذلك الكلام لا يمنعني من ذلك، لكن في بعض الأحيان أقول في نفسي: يجب أنْ أتركه وشأنه، وفي بعض الأحيان أقول: لا يجب أنْ أتركه، لا أعلم ماذا أفعل سيدي.
أرجو التفضّل على خادمك بالإجابة.
حفظكم الله ورعاكم ومتعنا بكم في الحياة الدنيا والآخرة.
الاسم: سائل
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
وأسأله جلّ وعلا أنْ يمنَّ على والدك وعلى جميع مرضى المسلمين بالشفاء، وأنْ يمدّك بالثواب الجزيل على حرصك في برّ أبيك مع العفو والعافية في الدنيا والآخرة. وبعد:
اعلم أنّ برَّ الوالدين من خير ما تقرَّب به المتقرِّبون، وهو من أجَلّ العبادات والقُربات؛ سُئِل سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَيْنِ، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ جلاله.
فانظر كيف سبَق برُّ الوالدين الجهادَ في سبيل الله على أهميَّته ومكانته في الدين، وأنَّ مَنْ أدرَك والديه أو أحدهما، فلم يَدخل بهما الجنة، فهو ممّن تشمله دعوته عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(رَغِم أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا، فَلَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ) الإمام مسلم رحمه المنعم سبحانه.
ولو لَم يَرِد في بيان عِظَم حقِّ الوالدين إلاَّ قول الله تبارك اسمه:-
{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23، 24]، لكان كافيًا.
لذا أحثّ بقية إخوتك وأهلك أنْ يكونوا يد عون لك على خدمة والدكم، فحقوق الآباء على الأبناء كثيرة وعديدة لا حصر لها، والتي ينبغي على الأبناء مراعاتها وجعلها على قائمة الأولويات، لأنّهم هم أقرب الناس إليهم، فقد كان لزاماً عليهم مراعاة آبائهم العاجزين، ومن أبسط حقوق الوالدين على الأبناء معاملتهما بالأسلوب الحسن والكلمة الطيّبة فذلك يُخفِّف عنهم وطأة ما هم فيه، وتشدُّ من أزرهم؛ فلا يجوز على الأبناء أنْ يتأفّفوا في وجوههم، أو يصرخوا فيهم، أو يظهروا اشمئزازهم من تصرّفاتهم، بل ينبغي التحلّي بالصبر على برّهم مهما صدر منهم من ألفاظ أو تصرّفات لأنَّ الآباء أحياناً يتّصفون ببعض صفات القسوة والجفاف؛ ممّا يُوجد فجوةً بينهم وبين أبنائهم، وبالرغم من تسلّط الآباء أحياناً وظلمهم لأبنائهم؛ أكّد الله سبحانه في القرآن الكريم ضرورة ثبات الأبناء على برّ والديهم، والصبر على ما يلاقون منهم من قسوةٍ وظلمٍ أو تسلّطٍ في القول أو الفعل، وكما هو معلومٌ أنّ أجور الأبناء مضاعفةٌ في برّهم لآبائهم إذا تعرّضوا لشيءٍ من أنواع الظلم؛ شريطة الخضوع لهما بالقول الليّن؛ فالصبر على هذا النوع يقابله الكثير من الأجر والثواب من الله جلّ جلاله وعمّ نواله فكيف إذا كان والدك يتصرّف دون إرادة تامّة – وهذا ما أظنّه -، لذا فلا تثريب عليك ما دمت في خدمته، فاصبر على ذلك ولا تؤاخذه بما يقول، وأبشر بثواب الله جلّ في علاه في الدنيا والآخرة.
وأنبّه هنا على أمور قد يَغفل عنها البعض في التعامل مع كبار السنِّ، وخاصّة الوالدين، فمنها:
1- أنّ المُسنَّ يحتاج إلى الشعور بالحنان والرعاية والعطف، فلا نَبخل عليه بذلك.
2- أنَّ قصور السمع والبصر لدى المُسنّ يَجعله يبتعد شيئًا فشيئًا عن أحداث الواقع، وذلك يوجب علينا التحدُّث معه ومع مَنْ حوله بصوت مسموع، مع محاولة جَذْب المُسنّ للواقع، بإخباره عمّا يدور حوله، وطَلبِ رأيه، ومداعبته ما أمكَن؛ ليكون قريبًا من مجتمعه، مُدركًا لِما حوله.
3- إدراك أنّ المُسنّ يستمتع بالحديث عن الماضي الذي عاش أحداثه، وشَهِد صَوَلاته وجَوَلاته، فعلينا ألاَّ نَحرمه من ذلك، بل نُظهر التفاعل معه والإعجاب بما يقوله.
4- الحذر من الإلحاح عليه ومطالبتِه بأنْ يَقتنع بما نُخبره به؛ حيث إنّه لا يتحمَّل الإلحاح، ولكن يُمكن طرْحُ الأمر معه شيئًا فشيئًا ليُمكن إقناعه؛ حيث إنّ طبيعة هذه المرحلة من العُمر تَفرض بُطئًا في الاستجابة.
5- أنْ نَحرص على إشغاله بما يَنفعه عند ربِّه، بإسماعه القرآن الكريم في الأوقات المناسبة، وترغيبه في ذِكر الله تعالى قدر الاستطاعة، وإشعاره بضرورة الاحتساب، والصبر على ما يُعانيه من أمراض أو عوارض.
فلهذه من الفائدة ما لا يَخفى على جنابك، ومع ذلك كلّه لا بدَّ أنْ يشعرَ الوالدان بقُرب أولادهما منهما، ومحبَّتهم للجلوس معهما والأُنس بهما، وتَسابُقهم في خدمتهما، فلنَكن على علمٍ بهذا، فاصبر واحرص على برِّ أبيك؛ ففي ذلك الأجرُ من الله جلّ وعلا والأثرُ الطيِّب في الدنيا.
ولا يجوز لك التخلّي عن والدك لأنّه يزعجك بعصبيّته ودعائه عليك، وأرجو أنْ تتذكّر كم أزعجْتَهُ وأغضبْتَهُ في صغرك فلم يتخلَّ عنك، فكيف تتخلّى عنه في كِبَرِهِ وهو في أمسّ الحاجة لك؟
فلا تألُ جهدًا في محاولة إقناعه بأخذ الدواء، فإنْ رضي كان بها، وإنْ لم يرضَ وأُجْبِرَ على تناول الدواء ودعا عليك، فهذا الدعاء منه لا أثر له بإذن الله جلّ في علاه طالما كانت نيّتك خالصة في خدمته والحرص على شفائه، وأرجو أنْ تعذر والدك وتتلقى تصرّفه هذا بصدر رحب.
ومَن أراد أنْ يَبرَّه أولادُهُ، فليَبرَّ والديه، ومَنْ عقَّ والديه، فلينتظر العقوق من أبنائه، ولا يأْمَنَنَّ العقوبة العاجلة من الله سبحانه؛ فالجزاء من جنس العمل، قال نبيّنا الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم: (مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجَّلَ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةُ مَعَ مَا يُدَّخَرُ لَهُ، مِنَ الْبَغِيِّ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ شأنه في الأدب المفرد.
ولمزيد من الفائدة أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (1290، 1896)، والمشاركتين المرقمتين (85، 303) في هذا الموقع الكريم.
والله جلّ جلاله أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على النبيّ المختار، سيّد الأبرار، حبيبنا محمّد، وعلى آله وصحبه الأخيار.