2020-03-20
السؤال:
حكم الدعاء بأكثر من اسم من أسماء الله الحسنى.
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سيدي الكريم:
أسأل الله تعالى أنْ تكونوا بأحسن صحة وأتمّ عافية.
عفوا سيّدي: سمعت بعض مَنْ يُنسب إلى العلم يقول: لا يجوز أنْ نقول عند الدعاء: يا ألله أكرمني، أو يا رحمن ارحمني، أو يا غفور اغفر لي، أو ما شابه، لأنّ هذا النداء لا يصح باعتباره من الأدنى إلى الأعلى، بل ينبغي أنْ نقول: يا ربّ، أو ربّنا فقط، فهل هذا الكلام مقبول شرعا؟ 

الاسم: أثير.

الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أشكر لك تواصلك مع هذا الموقع المبارك، ودعواتك المباركة، وأسأل الله جلّ في علاه لك التوفيق.
قبل الإجابة عن السؤال لا بدّ من الإشارة إلى بعض آداب الدعاء وأسباب الإجابة فقد ذكر الإمام ابن رجب رحمه الله سبحانه فقال: (ومن أعظم شرائطه حضور القلب ورجاء الإجابة من الله تعالى) جامع العلوم والحكم (2/403).
فإذا غفل القلب عن استحضار معاني الدعاء ولم يتقين من الإجابة فإنّ الله جلّ وعلا لا يقبل هذا الدعاء لقوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام: (ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ) الإمام الترمذي رحمه الله عزّ وجلّ.
كما وينبغي للعبد الإلحاح في الدعاء وتكراره فقد قال الإمام الاوزاعي رحمه الله تعالى: (أفضل الدعاء الإلحاح على الله والتضرّع اليه) التمهيد للإمام ابن عبد البر رحمه الله جلّ جلاله (5/343).
ثمّ يتحرّى العبد أوقات الإجابة وخاصّة جوف الليل الآخر، فعن سيّدنا أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: (قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرِ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَاتِ) الإمام الترمذي رحمه المغني جلّ جلاله.
وقوله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين: (يَتَنَزَّلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وقد جاءت صيغ متعددة في توجه العباد بصيغ غير التي فيها صيغة (يا رب) منها:
عن سيّدنا أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: أَلَا أُعَلِّمُكَ دُعَاءً تَدْعُو بِهِ لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلٍ دَيْنًا لَأَدَّى اللَّهُ عَنْكَ؟ قُلْ يَا مُعَاذُ، اللَّهُمَّ مَالِكُ الْمُلْكِ، تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ، وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ، وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ، بِيَدِكَ الْخَيْرِ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، رَحْمَانُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، تُعْطِيهُمَا مَنْ تَشَاءُ، وَتَمْنَعُ مِنْهُمَا مَنْ تَشَاءُ، ارْحَمْنِي رَحْمَةً تُغْنِينِي بِهَا عَنْ رَحْمَةِ مَنْ سِوَاكَ) قال الإمام المنذري رحمه الله جل وعلا: رواه الإمام الطبراني عليه رحمة الباري في المعجم الصغير بإسناد جيد.
وكذلك روى سيّدنا أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: (أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا وَرَجُلٌ يُصَلِّي، ثُمَّ دَعَا: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ، بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود جلّ وعلا.
وقال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام: (أَلِظُّوا بِيَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ) الإمام الترمذي عليه رحمة ربي الغنيّ.
أي: سلُوا الله تعالى بهذه الكلمة وواظبوا على المسألة بها.
وكان صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه إذا كربه أمر قال: (يَا حَيُّ يَا قَيُّوْمُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيْثُ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد عزّ شأنه.
وغيرها من الأحاديث الشريفة.
كذلك يجوز الدعاء بأسماء الله تعالى الأخرى قال عزّ من قائل: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 180].
وقد بيّن النبيّ عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين في الحديث الشريف: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ) الإمام البخاري رحمه الباري جل في علاه.
وقد ذكر العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم أنّ أسمائه عزّ وجلّ غير محصورة بهذا العدد وذلك بحديث النبيّ صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه أجمعين إذ قال: (مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ إِذَا أَصَابَهُ هَمٌّ وَحَزَنٌ: اللهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمَّهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَ حُزْنِهِ فَرَحًا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَعَلَّمَ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ؟ قَالَ: أَجَلْ، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أَنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ) الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
لذلك جاز الدعاء بأسمائه وصفاته سبحانه ولا مانع من الدعاء بها.
وأرجو من أولئك الذين يتسرّعون في إطلاق الأحكام على الناس فيكفّرون أو يبدّعون أو يخطئون مَنْ يقول: يا رحمن، أو يا رحيم، أو يا كريم، فقد حذّر الشرع الشريف من ذلك، قال الحقّ جلّ وعلا: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور: 15].
وقال عزّ شأنه: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36].
وقال نبيّنا الأكرم صلّى اللهُ تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم: (إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ، مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا، يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
ويعجبني بعض الإخوة – جزاهم الله عزّ وجلّ خيرا – إذ لا يرسلون المقاطع التي فيها مثل هذه الأفكار والأخطار لأحد إلا بعد سؤال أهل الذكر رضي الله تعالى عنهم وعنكم ليتحققوا منها لئلا يكونوا مِمَّنْ يفتنون النّاس بها بغير علم.
ولمزيد من الفائدة أرجو مراجعة الجواب المرقم (2433) في هذا الموقع المبارك.
وصلّى الله تعالى وسلّم على مَنْ عرج إلى السماء وخير من ناجاه ودعاه سيّدنا محمد وآله وصحبه ومَنْ والاه.
والله تبارك اسمه أعلى وأعلم.