2020-03-28
السؤال:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، حضرة شيخنا الفاضل السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أسأل الله تعالى أنْ يرزقك الصحة والعافية، ويبارك بك، ويطول عمرك لخدمة المسلمين جميعا، سؤالي:
زوجي العزيز مصاب بمرض سرطان الدم أسألك أنْ تدعو له بالشفاء، أسأل الله تعالى أنْ يشفي جميع مرضى المسلمين، قلت له: يجب أنْ تخبر أهلك بالموضوع، قال لي: سوف أخبرهم تدريجيا، ولم يخبرهم بشيء، قمت أنا بإخبارهم أنّ أخاكم فيه مرض في كريات الدم ترتفع وتنخفض وتكون مناعته قليلة، حتى أمهّد لهم الموضوع حتى لا ينصدمون وبالأخص أنّه الولد الوحيد وهو في ديار الغربة، وأنا كلما أسأله متى تخبرهم؟ يقول لي: بعد حين، كلّمته آخر مرّة، وقال لي: لن أخبرهم بالحقيقة. هل يجوز أنْ أخبر أهله دون موافقته؟ أنا أعتبرها مسؤولية وأخاف أنْ يقع اللوم عليّ في المستقبل ويقولون لي لماذا لم تخبرينا بالموضوع؟ وجهة نظر زوجي بالموضوع أنّه لا يريد أنْ يقهر أخواته وخصوصا أمّي. زوجي مريضة بالزهايمر. ومرض السرطان يعتمد شفاه بالدرجة الأساس على الحالة النفسية، الله سبحانه وتعالى هو الشافي وأخاف ينقلوا له أخبار سيئة وتضر نفسيته وتتراجع صحته، لا أعرف ماذا أفعل، ولكم جزيل الشكر.
الاسم: سائلة
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على تواصلكم الكريم مع هذا الموقع المبارك، وعلى دعواتكم الطيّبة الصادقة، وبعد:
فلا شك أنّ في الحياة الزوجية أسراراً كثيرة يجب على الزوجين أنْ يحافظا على كتمانها ولا يجوز إفشاؤها، وهذا الكتمان يتناول المعاشرة بين الزوجين وأموراً أخرى خاصة بهما.
ولا يجوز إفشاء السرّ في شريعة الإسلام، لأنّ السرّ أمانة، وإفشاؤه خيانة، فقد قال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:
(إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ بِحَدِيْثٍ ثُمَّ التَفَتْ فَهِيَ أَمَانَةٌ) الإمام أبو داود رحمه الغفور المعبود جلّ وعلا.
ومعنى: ثمّ التفت أي: التفت يمينا وشمالاً خشية أنْ يُسمع لأنّه يريد أنْ يبقى ما قاله سرًّا.
ويتأكّد تحريم إفشاء أسرار بيت الزوجية إذا طلب الزوج من زوجته كتمان ذلك أو كان إفشاء السر يترتب عليه ضرر على الزوجين أو أحدهما.
ويجب أنْ يُعلم أنَّ حفظ أسرار الحياة الزوجية واجب على الزوج والزوجة معاً وليس الأمر مخصوصاً بأحدهم، وقد أثنى الله جلّ في علاه على النساء الصالحات بقوله تعالى:
{فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ —} [سورة النساء: 34].
وقدْ أفشتْ إحدى زوجاتِ النَّبيِّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم سرَّه، فكانَ التوجيه القرآني الكريم واضحاً:
{وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} [التحريم: 3].
وجاء التأكيد على الزوجات لأنّ الزَّوجةَ موطنُ سرِّ الزَّوجِ دائماً، وألصَقُ النّاسِ بهِ، وأعرفُهُم بخصائصِهِ وسرائرِهِ، وهي أولى النّاسِ بمعرفةِ ذلكَ، ولذلكَ أمر الشرعُ الشريف بحفظِ سرِّهِ.
وكذلك فإنّ البيوت فيها أسرار كثيرة لا ينبغي نشرها وإشاعتها، لأنّ نشر تلك الأسرار قد يؤدي إلى وقوع الخلاف والنزاع بين الزوجين؛ فمحافظة على استقرار الحياة الزوجية يجب كتمان أسرار الزوجين وعدم نشرها، وقد يؤدي إلى أضرار أخرى بحسب ذلك السرّ المكتوم.
ولكن إذا احتيج لذكر شيء من ذلك لبيان الحكم الشرعي، أو لطلب النصيحة، أو لدفع خصومة بين الزوجين ونحو ذلك فإنّه لا بأس به.
وإذا أمكن التعريض في هذا فهو أولى من التصريح، وإذا أمكن أنْ يُذكر الأمر على سبيل العموم والإجمال فلا يذكر التفصيل فهو الأفضل كما فعلتم من بيان كونه مريضا على نحو ما، أمّا إذا كان في عائلته مَنْ كان حكيما عاقلا يُحسِنُ التصرَّف في مثل هذه الحالات فلا بأس من إخباره بالحقيقة إذا غلب على ظنّك الفائدة من ذلك، وإلا فيبقى الأمر على أصله وهو الحفاظ على سرّه وعدم التصريح به.
أسأل الله العظيم، ربّ العرش العظيم، أنْ يَمُنَّ على زوجك بالصحّة والعافية، وجميع مرضى المسلمين، إنّه سبحانه وليّ ذلك والقادر عليه.
وصلى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والله تبارك اسمه أحكم وأعلم.