2020-03-29

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

سيّدي حضرة الشيخ (رضي الله تعالى عنكم وأرضاكم وبلغكم في الدارين مناكم) جزاكم الله تعالى خيرًا سيّدي على هذا الموقع المبارك الذي طالما تعلّمنا منه الكثير من الأحكام وبارك الله تعالى بالقائمين عليه وجزاكم الله تعالى وجزاهم كلّ خير سيّدي رضي الله تعالى عنكم لدي سؤالان:

الأوّل: ما حكم الرقية بالموبايل أي بأنْ يكون المرقي بمكان والراقي بمكان آخر؟ الثاني: ما حكم الرقية بالمسجّل (جهاز التسجيل)؟

وجزاكم الله تعالى كلّ خير سيّدي حضرة الشيخ رضي الله تعالى عنكم

 

الاسم: يوسف

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

جزاك الله جلّ وعلا كلّ خير على تواصلك مع هذا الموقع المبارك، ودعواتك الطيّبة، سائلا الحقّ جلّ وعلا أنْ يوفقك لكلّ خير، إنّه سبحانه سميع مجيب.

لقد بيّن العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم المقصود بالرقيا في اللغة والاصطلاح، فالرقيا لغةً: اسمٌ من الرقي، وهي العوذة أو الاستعاذة من كلّ ما يؤذي الإنسان من أي ضررٍ أو آفةٍ.

أمّا شرعًا: فهي اللجوء إلى الله عزّ وجلّ بالدعاء لطلب الشفاء منه بقراءة آيات القرآن الكريم وما صحّ من السنّة المطهّرة من الأذكار والأدعية.

ومن الأمور التي لا بدّ أنْ تتوافق مع الرقية التوكّل على الله جلّ في علاه، والتوجّه إليه بقلبٍ صادقٍ مُوقنٍ بأنّ الشفاء بيده، وأنّ الأمورَ لا تحدث إلّا بتقديره ومشيئته، وتأخّر الشفاء أو تقدّمه في صالح العبد، وهذا هو التسليم والرضا، وهو من الأمور الواجبة على المسلم ومن صميم عقيدته وتوحيده.

فالرقية الشرعية هي ما اجتمعت فيها أمور:-

أ- أنْ تكون بكلام الله سبحانه أو بأسمائه وصفاته أو بما ورد عن حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم من المأثور، أو من ترتيب المريض نفسه بحدود الأدب الشرعي.

ب- أنْ يكون الراقي من أهل الفضل والصلاح البعيدين عن الشبهات والحرام مع الأدب وحسن الظنّ بعباد الله جلّ وعلا، وأنّ الله تعالى قادر أن يجعل سرّه في أضعف خلقه، وأيضا من المهمّ الانتباه لما ورد عنه صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه في هذا الحديث الشريف، إذ قال:-

(إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ! يَا رَبِّ! وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لَهُ؟) الإمَامُ مُسْلِم رحمه المنعم جلّ وعلا.

وقد بيّن أهل العلم فوائد مهمة مستنبطة من هذا الحديث الشريف أبينها لضرورتها على عُجالة وهي:

1- إنّ من أسماء الله تعالى الطيّب ومعناه الطاهر المنزّه عن النقائص فلا يعتريه نقص في حال من الأحوال، وهذا من الأمور التي لابُدّ أنْ لا تنفك عن المسلم أبدا.

2- إنّ الله عزّ وجلّ لا يقبل من الأعمال إلا ما كان طيّبا، وأمّا غير الطيّب فهو مردود.

3- من موانع استجابة الدعاء أكل المحرّم ولبسه.

ج- أنْ يعتقد الراقي والمرقي أنّ الضارّ والنافع والمؤثّر والفاعل هو الله جلّ جلاله، وهو خالق الأسباب، وكلّ شيء بتقديره وتدبيره.

مع الانتباه أيضا أنّ أنفع الرقية وأكثرها تأثيراً رقية الإنسان نفسه لأنّ الله تعالى يحب أنْ يسمع عبده وهو يناجيه ويتذلل بين يديه ويكثر من قوله الكريم:

{وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [سورة الشعراء: 80].

ولا يستعجل الإجابة كما وردت الآثار بذلك ولا يتعدّى على مَنْ رقاه بسبب تأخير الإجابة فليست بيد أحد سوى الله جلّ في علاه ولا يملك الراقي كما يقولون في المثل خاتم سيّدنا سليمان عليه السلام، أو مصباح علاء الدين، لأنّ كلّا من الراقي والمرقي متوجّه لله عزّ شأنه ومستحضر بين يديه تعالى عجزه وحاجته وفقره.

د- اعتقاد الراقي والمرقي له إجابة الدعاء من قبل الله تبارك اسمه وهذا عين الرقية وصميمها ولا يشك في ذلك البتة.

فإذا كانت هذه الشروط مجتمعة في الرقية فهي التي أسأل الله تعالى قبولها.

أمّا ما يخصّ حكم تشغيل جهاز التسجيل على آيات من القرآن الكريم لعدّة ساعات عند المريض، وانتزاع آيات معينة تخصّ السحر، وأخرى للعين، وأخرى للجانّ؟ فهذا مخالف لنهج السنّة المطهّرة، وفيه مشقة على المرقى له، وفيه تكلّف وأذية.

فكلّنا يعلم أنّ المريض يحتاج إلى هدوء وراحة، وعدم رفع الصوت، وهذا لا يتحقق بوجود آلة التسجيل، وأيضا لأنّ الرقيا عمل يحتاج إلى اعتقاد ونيّة حال أدائها، ومباشرة للنفث على المريض، وفي هذا خير من ربط للقلوب ببعضها، ودافع نفسي للعطف والمحبة، وأنّ القلوب معك أيها المريض والمؤمن بأخيه، وأيضا ربط بعباد الله تعالى وأهل الصلاح، وتحقق للجماعة، فيد الله سبحانه مع الجماعة والمعاني كثيرة، ولها آثار واردة في الشرع الشريف، ومن أهمّها ما ورد في قول الحبيب المحبوب عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه أتقياء القلوب:-

(إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ، فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي) الإمام مسلم رحمه الله عزّ وجلّ.

وكلّ هذا لا يتأتى بجهاز آلة التسجيل الصمّاء الخالية عن النيّة والإيمان والمشاعر.

أمّا ما يخصّ الرقيا بالهاتف فهو جائز مع تحقّق ما تقدّم.

أسأل الله جلّ ذكره الشفاء لكلّ مريض والمعافاة لكلّ مبتلى، إنّه سبحانه سميع الدعاء.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّد الأنبياء، وإمام الأتقياء، نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه الأصفياء.