2020-04-02
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأل الله تعالى أنْ يمنّ عليكم بالصحة وتمام العافية، ونشكركم على ما تقدموه في هذا الموقع المبارك.
سيدي الكريم: لقد اطلعت على الفتوى والأجوبة بخصوص إغلاق المساجد، جزاكم الله تعالى خيرا وزادكم نورا وحكمة، وهذا أثار عندي رغبة قوية في معرفة إنْ كان هناك مزايا أخرى لبيوت الله تبارك وتعالى في ديننا الحنيف؟ مع جزيل الشكر والتقدير.
 
الاسم: أبو ابراهيم
 
 
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على تواصلكم الكريم مع هذا الموقع المبارك، وعلى دعواتكم الطيبة، وبعد:
في الحقيقة لكي أعطي الإجابة عن هذا السؤال المبارك والمهمّ حقها فإنني بحاجة إلى رسالة ماجستير أو أطروحة دكتوراه، ولكن سأجيب بما يتيسّر والله جلّ وعلا هو الموفق، فأقول:
* إنّ للمساجد دورًا عظيمًا في الإسلام، فهي بيوتُ الله عزّ وجلّ القائل في محكم كتابه العزيز:
{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [سورة الجن: 18].
وقال جلَّ جلاله وعمّ نواله في الحديث القدسي الشريف:
(مَنْ تَوَضَّأَ فِي بَيْتِهِ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ زَارَنِي فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِي فَإِيَّايَ زَارَ، وَحَقٌّ عَلَى الْمَزُورِ أَنْ يُكْرِمَ زَائِرَهُ) الإمام عبد الملك بن محمد رحمه الله عزّ وجلّ في الأمالي.
وهي بذلك أشرف البقاع على وجه البسيطة؛ حيث يُذكَر فيها اسم الله جلّ وعلا ليلَ نهارَ، وصباح مساء، ويحضرها رجالٌ لا يغفلون عن طاعته سبحانه في غدواتهم ورَوْحاتهم، في شُغلهم وفراغهم، في حِلِّهم وتَرحالهم؛ قال الحقّ عزّ شأنه في وصفهم:
{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} [سورة النور: 36، 37].
* وأوّل بيت وضع للناس كان المسجد، قال الحق جلّ ذكره:
{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} [آل عمران عليهم السلام: 96].
فلماذا لم يذكر الله تعالى أنّ أول بيت وضع للناّس المدرسة أو المشفى أو غيرهما من المرافق المهمة في حياة الناس؟ فاختيار المسجد ليكون أول بيت وضع للناس فيه من الدلائل الباهرة والهدايات الزاهرة ما الله سبحانه به عليم، ومعلوم أيضا أنّ المساجد في الإسلام يُشترط إذا بُنيت أنْ تكون محاريبها تجاه البيت الحرام، وهذا دليلٌ على أنّ البيت الحرام هو أصل سلالة المساجد -إنْ جاز التعبير- كما أنّ سيّدنا آدم عليه السلام أصل سلالة بني البشر، وبذلك فإنّ ما ثبت للمسجد الحرام من مكانة وقدسية واحترام وتعظيم فلبقية المساجد نسبة منها، فمثلا: الصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة، وفي غيره 25 أو 27 درجة بحسب اختلاف الروايات.
* والمسجد مؤسسة إسلامية عظيمة تفُوق جميع الهيئات والمجمعات التي تنشأ وتقام في البلدان، ويزعم مؤسّسوها أنّها خيرُ مؤسسة أو هيئة لإصلاح المجتمعات البشرية، فلا يمكن إصلاح المجتمع إلا بتفعيل دور أكبر مؤسسة وأعظمها على وجه الأرض، وهي المساجد؛ لأنّها تُربّي المجتمع تربيةً إيمانيةً متكاملةً، وتقوم بصبغ الإنسان بأحسن صبغة، وهي صبغة الله جلّ في علاه، ومن أحسن من الله صبغة؛ ولذا نجد أنّ معلم البشرية سيّدنا محمدًا صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم في الهجرة الشريفة لمّا وصل إلى أطراف المدينة بنى مسجد قباء، ولمّا تحرك للدخول فيها صلّى الجمعة في ديار بَنِي سالم بن عوف رضي الله تعالى عنهم وبُنِيَ في ذلك الموضع مسجد يقال له مسجد الجمعة، ولمّا وصلها فأوّل شيء قام به هو بناء المسجد، وكان في الغزوات يأمر ببناء المساجد، والمدينة المنورة مليئة بالمساجد التي تؤكّد وتجسّد هذا المعنى كالمساجد السبعة في غزوة الخندق، وغيرها.
* فالمسجد لا ينفكّ عن هذه الأمّة، وأي توجيه يخالف ذلك فهو كارثي العاقبة في حياتها، لأنّه مخالف للمنهج الربّاني الذي اختاره الله تعالى لها.
وهكذا بدأ دور المساجد في تربية المجتمعات الإسلامية، ومع مرور الزمن أصبح من المسلَّم به أنّ المساجد لا يقتصر دورها على أنْ يحضرها المسلمون لأداء الصلوات فحسب، بل تقوم بجمع شمل الأمّة، وربط قلوب المسلمين على المحبّة والاحترام، والتآخي والتعاطف والتراحم، وتمنح لهم الطمأنينة والسكينة، وتدعوهم إلى إحياء رُوح الإسلام فيما بينهم وفي واقع الحياة العملية في المجتمع.
فالمسلم حينما يحضر المسجد، ويقتدي بإمام مع إخوانه المسلمين، ويستمع للخطيب، تتأكّد فيه المبادئ الإسلامية السامية، وتثبت في نفسه عظَمة الإسلام وحضارته الصافية النقية، وتحيا فيه معاني الصفح والمودة، والتواصل والتراحم، وحينما يهَشُّ المسلمُ في وجه أخيه ويبَشُّ له، ويصافحه ويعانقه، ينصهر ويذوب كلّ ما في القلوب من الضغائن والأحقاد.
* والمساجد خير مراكز للتربية الروحية والتعليم على نحو عام، ومسجد النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم خير نموذج لذلك؛ فالصحابة الكرام رضي الله سبحانه عنهم كانوا يحضرون المسجد ويتعلمون من حضرته عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام كلّ ما يحتاجون إليه، بل كلّ ما تحتاج إليه البشرية، يسألونه عن أمور دِينهم ودنياهم، فأصبح المسجد بذلك مصدرَ إشعاع ومنبع نور للعالمين كلّه، وتخرَّج فيه علماء أعلام وقادة كبار حملوا راية الإسلام، ونشروا هذا الدين المتين في ربوع العالم، ومن ثمّ بدأت حلقات الدرس والإفادة في جميع المساجد في البلاد الإسلامية، حيث لم تكن هناك مدارس منظمة يقصدها الطلاب، وكان العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم يختارون مكانًا في مسجد يلقون فيه الدروس للمتلقين، ويشهد التاريخ بما كان لمساجد بغداد والقاهرة والقيروان وقرطبة ودمشق والموصل والحواضر الإسلامية الأخرى من دَور عظيم في النهضة الإسلامية والإنسانية الواسعة.
* ولم تكن المساجد مراكز علم فحسب، بل إنّها كانت أفضل المراكز لتزكية النفوس، فهي تعلِّم زوَّارها الحِلم والأناة، والرفق مع الآخرين، والبُعد عن القسوة والشدة؛ فعن سيّدنا أبي هريرة رضي الله تعالى عنه:
(أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي المَسْجِدِ، فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ ليَقَعُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعُوهُ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ جلاله.
* إنّ المساجد تغيّر أحوال الإنسان من شقاء إلى سعادة، ومن ضِيق إلى رخاء، والمساجد تعالج القلوب؛ حيث تجعلها رقيقةً ومجلوّةً من صدأ الذنوب والآثام التي يرتكبها الإنسان، وهي محط نزول البركات، ومحلّ نظر الله تعالى وكرمه وتجلياته العظيمة لعباده الذين تشرفوا بزيارته في بيته.
* المساجد مدارس لبث معاني الأخوّة والمساواة، يحضر فيها المسلمون، ويجتمعون في مكان واحد، ويقومون في صف واحد، ويصلُّون خلف إمام واحد؛ فلا فرق بين العبد والسيّد، والملِك والخادم، والغني والفقير، والشيخ العالم والرجل العادي، كلّهم سواء أمام الله جل وعلا، لا يفضل أحدٌ منهم على الآخر إلا بالتقوى؛ فإنّ المساجدَ تعلّم النّاس أنْ يعيشوا سويًّا متكاتفين ومتضامنين، لا يعتدي أحد على الآخر أو يتفاخر عليه بحسَبه ونسبه، أو بمنصبه أو شغله أو وظيفته.
* والمسجد مبعث النور في دنيا الظلمات الحالكة، ومصدر الحياة في بيداء الحياة الموحشة؛ فإنّه يؤهّل المسلمين للحياة النافعة الكريمة، ويحثّهم على التقوى والتطهير، ويطالبهم ألّا يدخلوه إلا بطهارة أبدانهم وقلوبهم، قال جلّ ذكره:
{لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [سورة التوبة: 108].
* والوصول إلى المساجد والحضور إليها أمر عظيم يوجب للإنسان المغفرة والإيمان؛ فمَن ارتاد المساجد لأداء الصلوات لابدّ لنا أن نشهد له بالإيمان؛ قال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:
(إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَتَعَاهَدُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالإِيمَانِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ —) الإمام الترمذي رحمه الله عزّ وجلّ.
* لقد بيّنت النصوص الشرعية الشريفة فضل السعي إلى المساجد، ففي كلّ خطوة يخطوها المسلم وهو قاصدها تكتب له حسنة، وتمحو عنه سيئة، وترفعه درجة، وإنّ منع الذكر فيها ظلم كبير، قال تعالى:
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [سورة البقرة: 114].
ولقد جاءت البشرى في السُّنّة المشرّفة لمَنْ تعلّق قلبه بالمساجد وسعى إليها خاصّة في صلاتي الفجر والعشاء، قال الحبيب المحبوب صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه أتقياء القلوب:
(بَشِّرِ المَشَّائِيْنَ فِي الظُلَمِ إِلَى المَسَاجِدِ بِالنُّوْرِ التَّامِّ يَوْمَ القِيَامَةِ) الإمام أبو داود رحمه المعبود سبحانه.
وقوله الشريف:
(سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: — وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، —) الإمام البخاري رحمه الله جلّ وعلا.
* والمساجد هي الأماكن التي تطمئن فيها القلوب وتهدأ فيها الأرواح التي أنهكتها الغفلة ومتاعب الحياة، قال تعالى:
{أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [سورة الرعد: 28].
وأغلب الناس عن هذا غافلون، فهم يبحثون عن أماكن تطمئن إليها قلوبهم، وترتاح بها نفوسهم فيما يظنون، فيقصدون المتنزهات والحدائق، وآخرون يتوجهون إلى الأطباء لمعالجة أمراض نفسية متنوعة فشت في مجتمعاتنا، ولكنّهم نسُوا أو تجاهلوا أنّ الأرواح لا تجد راحتها إلا بالحضور إلى المساجد، والقلوب لا تطمئن إلا بذكر الله تعالى الذي اختار تلك البقاع الشريفة لتكون بيوته في الأرض، بل كان السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم وعنكم يقصدون المساجد في كلّ شؤون حياتهم فهذا سيّدنا أبو أمامة رضي الله سبحانه عنه يجلس في المسجد كما في هذا الحديث الشريف:
عَنْ سيّدنا أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ:
(دَخَلَ رَسُولُ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهُ: أَبُو أُمَامَةَ، فَقَالَ: يَا أُمَامَةَ، مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟ قَالَ: هُمُومٌ لَزِمَتْنِي، وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلَامًا إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ عَزَّ وَجَلَّ هَمَّكَ، وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، يَا رَسُولَ، قَالَ: قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَقَهْرِ الرِّجَالِ، قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمِّي، وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي) الإمام أبو داود رحمه المعبود جلّ جلاله.
* ومن مزاياها أنّها مليئة بالملائكة الكرام عليهم السلام، تلك المخلوقات النورانية اللطيفة، فعَنْ سيدنا أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه:
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: صَلاَةُ الجَمِيعِ تَزِيدُ عَلَى صَلاَتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَصَلاَتِهِ فِي سُوقِهِ، خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ، وَأَتَى المَسْجِدَ، لاَ يُرِيدُ إِلَّا الصَّلاَةَ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً، حَتَّى يَدْخُلَ المَسْجِدَ، وَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ، كَانَ فِي صَلاَةٍ مَا كَانَتْ تَحْبِسُهُ، وَتُصَلِّي – يَعْنِي عَلَيْهِ المَلاَئِكَةُ – مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ) الإمام البخاري رحمه الله عزّ شأنه.
* وممّا يبيّن علوّ مكانتها أنّ الله تبارك اسمه جعل وجودها شرطا في إقامة بعض الشعائر كصلاة الجمعة، ويمكنك الاطلاع على جواب السؤال المرقم (2440) في هذا الموقع المبارك لتفقّه بعض أحكامها.
* ولعظيم منزلة المسجد في شريعتنا الغرّاء وجّه الشرع الشريف إلى الكثير من الأحكام المتعلقة بها، منها:
1- دخولها يكون بالرجل اليمنى، والخروج منها يكون بالرجل اليسرى:
(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَبْدَأُ بِرِجْلِهِ اليُمْنَى، فَإِذَا خَرَجَ بَدَأَ بِرِجْلِهِ اليُسْرَى) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
2- الدعاء عند الدخول والخروج، الذي أرشد إليه الربانيون من علماء هذه الأمة رضي الله تعالى عنهم وعنكم أخذا من مجموع الروايات عن سيّد السادات عليه أتمّ السلام وأفضل الصلوات وعلى آله وصحبه ذوي الفضائل والمكرمات:
(بسم الله، والصلاة والسلام على سيّدنا رسول الله، اللهمّ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك)
وإذا خرج دعا قائلا:
(بسم الله، والصلاة والسلام على سيّدنا رسول الله، اللهمّ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك)
فانظر يا رعاك اللهُ جلّ في علاه كيف يزرع هذا الدعاء في عقل المسلم بأنّ بيوت الله تعالى محطّ الغفران وأبواب الرحمة إلى الرحيم الرحمن سبحانه، وهي تكمّل شخصية المسلم من حيث الروحانية والاستعداد لابتغاء فضل الله جلّ شأنه خارج المسجد، قال ربّنا جلّت قدرته:
{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [سورة الجمعة: 10].
وأكثر ما يفهم من عبارة (فضل الله) الواردة في النصّ الشريف وأمثاله:
الأسباب التي تُعين على بناء الحضارة الإسلامية لسعادة الإنسان في الدنيا والآخرة.
3- وحتى نفقه أنّ المساجد ليست أبنية مجرّدة عن معناها الروحي العميق فقد شرّع لنا سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه، صلاة تحيّة المسجد فقال:
(إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ وعلا.
4- إذا نزلت نازلة كان النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام يأمر سيّدنا بلالا رضي الله تعالى عنه أنْ ينادي بالناس (الصلاة جامعة) فَعَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ:
(لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُودِيَ إِنَّ الصَّلاَةَ جَامِعَةٌ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وهكذا فقد ورد النداء بها في مواطن أخرى للإخبار عن أحداث معينة مهمة، وفي هذا بيان لأهميّة المساجد في قيادة المجتمع وتوجيهه إلى ما فيه خيره وصلاحه.
5- كان عليه الصلاة التسليم وآله وصحبه أجمعين إذا أراد السفر دخل المسجد فصلى ركعتين، وإذا عاد من سفره بدأ بالمسجد فصلّى ركعتين قبل أنْ يدخل بيته الشريف، فَعَنْ سَيِّدِنَا كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ:
(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، ضُحًى دَخَلَ المَسْجِدَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ في علاه.
* إنّ الحاجة ماسّة اليوم إلى تفعيل دور المساجد ووظيفتها في إصلاح أحوال المسلمين؛ لأنّ الإسلام دين كامل شامل، ولابدّ للمسجد أنْ ينطلق من هذه الشمولية، ويستوعب جميع المجالات، ويهتم بجميع عناصر المجتمع، ويقوم باستثمار طاقات الشباب ومواهبهم، ويزوّد أبناء الجيل الجديد بزادٍ من التقوى والإحسان والسلوك القويم والمعرفة النقيّة، ويغرس فيهم حبّ الإيمان والعمل الصالح، ليعود للأمّة عزّها ومجدها وريادتها لموكب الحضارة الإنسانية إلى مقومات السعادة والنجاة في الدنيا والبرزخ والآخرة.
ولقد ذكرت الكثير من المزايا والآداب والأمور الفقهية المتعلّقة بالمسجد في الأجوبة المدونة في هذا الموقع المبارك، وإلى جنابك أرقام بعضها:
(91، 107، 421، 504، 654، 857، 891، 983، 1521، 1573، 1961، 1987، 1995، 2171، 2218، 2315، 2418، 2288، 2414، 2437) والمشاركة المرقمة (194).
لهذه المزايا وغيرها أؤكّد الفتوى التي ذكرتها في هذا الموقع الكريم من خلال جواب السؤالين المرقمين (2439، 2441).
أسأل الله جلّ وعلا أنْ تعود المساجد إلى ما كانت عليه وأفضل، لتمارس دورها الفاعل في بثّ هدايات شريعتنا الغرّاء، وأنْ يوفَّق العاملون فيها إلى ما يحبه الله سبحانه ويرضاه.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والله جلّ جلاله وعمّ نواله أعلم.