2020-04-06
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سيدي الشيخ الفاضل أسأل الله تعالى لنا ولكم العافية في الدينا والآخرة.
تعقيباً على جوابكم المنشور في هذا الموقع المبارك برقم 2441 حول تساؤل أحد الإخوة الافاضل عن مسألة إغلاق المساجد، تفضلتم بالقول: (إذا كان الاعتماد في الفتوى على الظنّ بأنّ فلانا من النّاس قد يكون حاملا للفايروس وهو لا يدري وبالتالي يمكن أنْ يعدي غيره، فإنّ الأمور لا تستقيم، فاحتمال مرض الشخص قائمٌ في كلّ الأحوال والأزمان، وغلبة الظنّ في هذا الوقت لا تصلح أساسًا لإزاحة اليقين، فالشكُّ لا يُزِيْلُ اليَقِيْنَ كما يقول علماء الأصول رضي الله تعالى عنهم وعنكم).
إنّ استدلالكم بهذه القاعدة الفقهية صحيح بالنظر إلى حال شخص بمفرده، فالأصل سلامة الإنسان، أمّا مجرّد الظنّ بأنّه قد يكون مريضاً فلا يصلح لإزاحة ذلك اليقين.
لكن هناك مسألة غاية في الأهمية هي أنّ خبراء الصحّة قرّروا بأنّ اجتماع النّاس من أسباب نشر هذا المرض يقيناً، وأنّ عدم انتشاره -في حال تمّ السماح بهذه التجمعات- هو احتمال ضعيف جداً لا يزيح ذلك اليقين.
من هذا المنظور فإنّ عدم انتشار المرض بسبب اجتماعهم في المساجد هو احتمال ضعيف جداً لا يقوى على إزاحة اليقين بأنّ اجتماعهم من الأسباب المؤكدة لانتشاره.
أرجو التفضّل بالإجابة على هذا التساؤل.
أسأل الله تعالى أنْ يجعلكم من أئمة الهدى وأنْ يجزيكم عنّا وعن المسلمين خيراً والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
الاسم: طويلب العلم
 
 
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
جزاك الله جلّ وعلا خيرا ونورا وبركة على تواصلك الطيّب مع هذا الموقع المبارك، وأسأله عزّ شأنه أنْ يوفقك لما يحب ويرضى إنّه سبحانه سميع مجيب.
إنيّ في غاية السرور إذ أجد مَنْ يصحّح لي ما قد أقع فيه من خطأ، وتقييمي لهذا التعقيب عظيم، وطالما ذكرت وكرّرت لأحبابي بشكل خاص، والمسلمين بشكل عام ما ورد عن السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم وعنكم:
(رَحِمَ اللهُ امْرِئً أَهْدَى إِلَيَّ عُيُوْبِي).
ومع شكري وامتناني لما تفضّلت به أقول وبالله عزّ وجلّ التوفيق:
إنّ خَبَر إجماع المختصين بأنّ اجتماع النّاس من أسباب نشر هذا المرض يقينا، لم يردني ولم أسمع به، فكلّ الذي وصلني وعرفته وتأكّدتُ من بعض طلبتي المتخصصين في مجال الطبّ، وبعضهم مقيم في الغرب (إنّ ما قيل في هذا الوباء احتمالات وليس يقينا).
وحتى لو ثبت هذا على وجه اليقين فإنّي أعتقد والله جلّ وعلا أعلم أنّ فتواي أقرب للصواب وتحتمل الخطأ لأنّ ما ذكر في الجواب المشار إليه إنّما هو تكملة لجواب السؤال المرقم (2439) فأرجو مراجعته لترى أنّني لم أقتصر في فتواي على القاعدة المذكورة في استفسارك الكريم بل جعلتُ لها ضوابط كثيرة، منها:
* عدم التصافح، واختصار الخطبة والصلاة، وجعل الصلاة في ساحة المسجد إنْ أمكن.
* المجيء إلى المسجد إنّما هو للصحيح دون المريض.
* تطهير المساجد والمصلين القادمين إليها بما تيسّر من مطهّرات ومعقّمات قبل كلّ صلاة وبعدها.
* الأخذ بالوصايا والإرشادات التي أعلنتها المؤسسات المعنية.
* إنّ هذا الموقع الكريم لا يقتصر على إصدار الفتاوى فحسب بل هو موقع تربويٌّ إرشاديٌّ أيضاً فأردتُ من خلال هذه الفتاوى المنشورة على هذا الصرح الإيمانيّ الإسلاميّ أنْ أنهض بحال المسلمين إلى آفاق التوكّل على الله عزّ شأنه وحسن الظنّ به سبحانه، وإدخال الطمأنينة إلى قلوبهم إذ أرى أنّ الخوف قد تمكّن منهم، وقد أجمع الأطبّاء والمختصون أنّ الحالة النفسية لها دورها الكبير وأثرها الفعّال في الإصابة بمرض أو الشفاء منه، فالخوف من المرض هو من أكبر الأسباب الداعية للإصابة به.
ولا يعني هذا الغفلة عن الأخذ بالأسباب المادية التي أشرتُ إليها، بل العمل بها وبالأسباب المعنوية أيضا ليجتمع الظاهر والباطن على مواجهة هذا الفايروس أو غيره.
أكرّر شكري وتقديري لجنابك الكريم، وأسأل الله العظيم أنّ يوفقك وسائر المسلمين والمسلمات لكلّ خير، وأنْ يرفع هذا الوباء عن العالمين إنّه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.
والله تبارك اسمه أعلم.