2020-04-11
السؤال:
السلام عليكم حضرة الشيخ الجليل ورحمة الله وبركاته وجزاك الله عزّ وجلّ كلّ خير ونفعنا بعلمك ومعرفتك.
حضرة الشيخ الجليل اقترب شهر رمضان المبارك ونحن من العوائل العراقية المقيمة في تركيا هذه الأيام وكما هو معلوم أن انتشار وباء كورونا في تركيا قد ازداد كثيرا في هذه الأيام وجعلنا نلزم بيوتنا حسب وصايا الخبراء تجنبا للعدوى وقد تداول بعض الناس مؤخرا موضوع عدم الصيام خصوصا للنّاس أصحاب الأمراض المزمنة أو كبار السن لأنّ الفايروس يؤثر عليهم أكثر من الآخرين وهناك تباين كبير في مسألة أنّ الفايروس يؤثّر بشدّة على النّاس في حالة جفاف الحلق والبلعوم وأنّ شرب الماء يقي من الإصابة بهذا الفايروس ولم نجد لحد الآن قرارا قاطعا بهذا الشأن بين مؤيد للكلام وبين من ينفي ذلك… ولكنني مريض بالسكري منذ عدّة سنوات وزوجتي عندها مشكلة في الغدّة الدرقية وبعض الأحيان تؤثر على القلب وأعمارنا أكبر من 62 سنة كما أن ابنتي لديها مشاكل في المفاصل وتتناول أدوية مهبطة للمناعة ممّا يجعلنا كلنا في تخوف من أنْ يؤدي صيامنا إلى زيادة احتمالات الإصابة بوباء كورونا لا سمح الله عزّ وجلّ وفي نفس الوقت يعز علينا جدا أن لا نصوم هذا الشهر الفضيل علما أننا والحمد لله رب العالمين لم نفطر طيلة السنوات الماضية….
نرجو نصيحتكم حضرة الشيخ الجليل إذ لم يصدر شيء قاطع من أي جهة طبية أو دينية أو رسمية بهذا الخصوص وجزاكم الله عزّ وجلّ خير الجزاء وحشركم وحشرنا وأحبابكم وأحبابنا تحت لواء سيّد المرسلين عليه وعلى آله وأصحابه أفضل الصلاة والسلام وبارك الله عزّ وجلّ فيكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الاسم: ابو محمد من تركيا
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على تواصلكم الطيّب مع هذا الموقع المبارك، وعلى دعواتكم الكريمة الصادقة، وأسأل الله جلّ في علاه لك ولزوجتك الشفاء التامّ، ولجميع مرضى العالمين، إنّ ربّنا سبحانه لطيف رحيم، وبعد:
ينبغي أنْ يُعلم بأنّ الأحكام الشرعية تؤخذ من السَّادة العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم، فهم أهل الاختصاص، قال الحقّ جلّ جلاله:
{— فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُوْنَ} [سورة النحل: 43].
وقال جلّ جلاله:
{— وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ —} [سورة النساء: 83].
وإنّي لأشكر جنابك الكريم إذ لم تعتمد كلام النَّاس وعدت بسؤالك إلى هذا الموقع الكريم.
لقد جاءت الشريعة الغرّاء بقواعد عظيمة مباركة منها:-
رفع الحرج عن الناس، قال ربّنا عزّ شأنه:-
{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ —} [سورة الحج: 78].
وقال تبارك اسمه:-
{— مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ —} [سورة المائدة: 6].
فجاءت الآية المباركة في معرض التحوّل من الوضوء إلى التيمّم لفقدان الماء أو عدم القدرة على استعماله رفعًا للحرج.
ومن هنا كان قوله سبحانه في شأن الصيام للمريض والمسافر:-
{— وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ —} [سورة البقرة: 185].
وضابط المرض المبيح للفطر عند جمهور أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم هو الشديد الذي يزيد بالصوم، أو يُخشى معه تأخّر البُرْء، أو حصول مشقّة يصعب احتمالها، وعلى المريض القضاء فيما بعد.
أمّا إذا كان المرض مزمنا فهنا عليه الفدية عن أيّام الصوم، وأرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (241) .في هذا الموقع المبارك
أمّا إذا كانت المشقّة محتملة مع المرض، وأنّ المرض لا يزيد بالصوم فعلى المسلم أنْ يتوكّل على الله جلّ في علاه ويصوم هذه الأيّام المباركة المعدودة التي لا يعوضّها صيام غيرها من الأيام، لما لها من خصوصية كبيرة إذ هي أيّام التجلّي وفيها يتعاظم الأجر والبركة؛ ولذا قال الله عزّ وجلّ بعد ذكر حكم إباحة الفطر للمريض والمسافر:-
{— وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [سورة البقرة: 184].
وقال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلاَ مَرَضٍ، لَمْ يَقْضِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
هذا ما يتعلّق بالصوم وإباحة الفطر بالنسبة للمريض على نحو عام.
أمّا ما يتعلّق بفايروس كورونا فإنّ أهل الاختصاص ذكروا الوسائل المهمّة للوقاية منه وهي العزلة التي تمنع انتقالها من شخص لآخر، إضافة إلى أمور الطهارة والوسائل الأخرى التي أصبحت واضحة ومعلومة، أمّا في حالة الاختلاط فإنّ العدوى ممكن أنْ تنتقل إلى الآخرين ولا علاقة لجفاف الحلق في ذلك، والدليل على ذلك الواقع الحالي فالعدوى قد انتقلت إلى كثير من النّاس من غير المسلمين، ومن المسلمين، قبل شهر رمضان المبارك.
ولا يجوز للمسلم أنْ يُفطِرَ رمضان إلَّا إذا قرَّر الأطباء، وثبت علميًّا أنّ الصِّيام سيجعله عرضةً للإصابة والهلاك بفيروس كُورونا، وهو أمر لم يثبت علميًّا حتى هذه اللحظة.
وإذا أراد الصائم أنْ يجعل فمه رطبًا، فقد سَنَّ له الإسلام المضمضة حال الوضوء، فيستعين بها على ترطيب فمه؛ شريطة ألَّا يُبالغ في ذلك؛ كي لا يدخل الماء إلى جوفه فيبطل صومه؛ وذلك لما جاء عن سيّدنا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله تعالى عنه:-
(قَالَ هَشَشْتُ فَقَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَنَعْتُ الْيَوْمَ أَمْرًا عَظِيمًا، قَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ، قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ مَضْمَضْتَ مِنْ الْمَاءِ وَأَنْتَ صَائِمٌ؟ قُلْتُ: لا بَأْسَ بِهِ، قَالَ: فَمَهْ) الإمام أبو داود رحمه المعبود جلّ وعلا.
قوله (هَشَشْتُ): أي نَشَطْتُّ وَارْتَحْتُ.
وقوله (فَمَهْ) أي فما الفرق بين المضمضة والقُبْلَة؟ يعنى لا فرق بينهما في أنّ كلا منهما لا يفطّر الصائم. فما استفهامية حذفت ألفها وعوض عنها هاء السكت.
فالحديث الشريف دليل على جواز المضمضة حال الصيام.
والحمد لله المنعم الوهاب الذي أكرمنا بالوقوف بين يديه الكريمتين خمس مرات في اليوم، فضلا عن السُنن المباركة مثل سُنّة صلاة الضحى وغيرها من النوافل الأخرى، والوضوء شرط في الصلاة كما هو معلوم، وبهذا يبقى الفم رطبا بين فترة وأخرى.
وخلاصة القول: لا يجوز للمسلمين الإفطار في رمضان إلا إذا ثبت علميًّا أنَّ لعَدَمِ شُرْبِ المَاء تأثيرًا صحيًّا على الصائمين؛ كإجراء وقائي لهم من الإصابة بهذا المرض؛ ويرجع في حكم ذلك للأطباء الثِّقات فهم أهل الاختصاص في هذه المسألة، وقرارهم مُلزِمٌ لكلِّ صائم مسلم بالإفطار من عدمه، وهذا الأمر لم يقل به أحد لحد الآن فيما أعلم، والحمد لله رب العالمين، وبإذن الله الكريم لن يحصل هذا وسيصوم المسلمون شهر رمضان في أقطار الأرض مع العفو والعافية، وأسأله جلّ جلاله وعمّ نواله أنْ يكون شهر فتح ونصر وهداية واستقامة على النهج القويم.
ومسك الختام في فتوى الصيام وغيره، التأكيد على العمق الروحاني في شريعة الباري سبحانه وهو:-
الاعتقاد الجازم بأنّ ما جاء فيها كلّه خيرٌ وبركةٌ وشفاءٌ وعافيةٌ وقوّةٌ شريطة الإيقان.
فأيّها السائل الكريم في مثل سؤالك ينبغي أنْ تتذكّر متفاعلا متفائلا قوله تبارك اسمه:-
{— وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [سورة البقرة: 184].
وقول حبيبك المصطفى عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه أهل الصدق والوفا:-
(— وَصُومُوا تَصِحُّوا —) الإمام الطبراني رحمه الله تعالى.
ولا أجدني بحاجة إلى الإشارة للأبحاث القيّمة التي قامت بها مؤسسات مختصة أو أشخاص مختصون في بيان فوائد الصيام بعد وروده ممّن خلق الإنسان وأبدع الأكوان جلّ جلاله وعمّ نواله الرحيم الرحمن.
فالله جلّ في علاه أتمّ نعمته علينا وبيّن لنا ما فيه مصالحنا ومنافعنا دون أنْ يحوجنا إلى كثرة التنقيب والبحث في هذا الميدان، قال عزّ شأنه:-
{— الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا —} [المائدة: 3].
فالجهود التي بُذِلَتْ، والأموال التي أُنْفِقَتْ في هذه الأبحاث، كان الأولى أنْ توجّه لخدمة الفقراء والمحتاجين، لأنّ نتائج تلك الأبحاث معلومة ومعروفة من خلال ما ورد في نصوص الشرع الشريف، فإذا كنّا مؤمنين حقًّا أيقنّا وتفاعلنا لأخذ عطايا الباري سبحانه والاستفادة منها دون الحاجة إلى البحث والتنقيب إلا إذا أردنا أنْ نبرهن لغير المؤمنين صدق ما أخبر به الله جلّ وعلا، ورسوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، طمعًا في إسلامهم وإيمانهم.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على خير خلق الله أجمعين، سيّدنا محمد، وعلى آله وصحبه الميامين.
والله تبارك اسمه أحكم وأعلم.