2020-04-22
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سيّدي جزاكم الله كلّ خير على هذا الموقع المبارك وأدامكم الله لنا وللناس أجمعين. 
عفوا سيّدي هل كان سيّدنا زكريا وسيّدنا يحيى وسيّدنا عيسى على نبيّنا وعليهم أفضل الصلاة والسلام مبعوثين في نفس الفترة أي بمعنى ثلاثة أنبياء في فترة واحدة؟ وهل يمكن ذلك؟ وجزاكم الله تعالى كلّ خير سيّدي.
 
الاسم: سائل
 
 
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
وأسأل الله سبحانه أنْ ينفعنا جميعا بالآيات والذكر الحكيم، متّبعين على الدوام لهدي خير المرسلين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه ذوي القدر العظيم.
الأنبياء عليهم الصلاة والتسليم صفوة الخلق، اختارهم الله جلّ وعلا بعلمه بهم، وفضّلهم على سائر البشر، قال سبحانه:-
{— اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ —} [الأنعام: 124].
والنبوّة هبة إلهية لا تنال بكسب ولا عمل مهما كثر، قال عزّ شأنه:-
{اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج: 75].
ولم يخلُ زمان من بعثة نبيّ أو رسول، قال الحق تبارك اسمه:-
{وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ} [سورة فَاطِرَ: 24].
وَقَالَ جلّت قدرته:-
{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النَّحْلِ: 36].
والحِكَم من بعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلى الخلق كثيرة منها:-
إقامة الحجة، لئلا يقول الناس يوم القيامة: إنّه لم يأتهم خبر عن تكليف الله عزّ وجلّ لهم بالعبادة، قال ربّنا جلّت ذاته:-
{رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [سورة النِّسَاءِ: 165].
وقد دلّت النصوص الصريحة على أنّ الله جلّ جلاله قد بعث أكثر من نبيّ في زمان واحد، كما هو الحال في أهل القرية التي كذّبت رسولين، فبعث الله عزّ شأنه رسولا ثالثا، وهذا على أحد القولين في تفسير الآية الكريمة، قال الحقّ عظمت صفاته:-
{وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ} [سورة يس:13-14]، ينظر: تفسير الإمام ابن كثير رحمه ربّنا الكبير (6/569).
وكذلك سيّدنا لوط عليه الصلاة والسلام كان مبعوثًا في زمن سيّدنا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام وعلى نبيّنا أفضل الصلاة وأتمّ التسليم وآلهم وصحبهم أجمعين، كما ذكر الحقّ تعالى شأنه في قوله الكريم:-
{ولَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ} [سورة سيّدنا هود عليه السلام: 69-70].
ثمّ قال ربّنا جلّ ثناؤه بعد ذلك:-
{وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} [سورة سيّدنا هود عليه السلام: 77].
وتعدّدُ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الفترة الزمنية الواحدة له حِكَم كثيرة، منها:-
* أنّ الرسول عليه الصلاة والسلام كان يبعث إلى قومه خاصّة، قال تعالى:-
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [سورة سيّدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام: 5].
وقال حضرة المصطفى صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه أهل الصدق والوفا حيث قال:-
(وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً) متفق عليه.
* أنّ كلّ نبيّ من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كان يبعث بلسان قومه خاصة لتعدّد اللغات المنطوقة بين المجتمعات، قال الله تبارك اسمه:-
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُم} [سورة سيّدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام: 4].
* أنّ النبيّ من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد يحتاج إلى مَنْ يعينه ويبيّن عنه، كما هو الحال مع سيّدنا موسى عليه الصلاة والسلام الذي طلب من الله عزّ كماله أنْ يشدّ عضده بأخيه سيّدنا هارون عليه الصلاة والتسليم، قال الحكيم سبحانه حكاية عنه:-
{قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ} [القصص: 33 – 34].
فاستجاب الله تعالى وتقدّس له فقال:-
{قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ} [سورة القصص: 35].
وقال في موضع آخر:-
{قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى} [سورة طه: 36].
* أنّ المرسل إليهم قد يكون فيهم من العتوّ والبُعد عن الهدى ما يحتاج معه إلى أكثر من رسول زيادة في إقامة الحجة عليهم، كما في قصّة أصحاب القرية، وقصّة سيّدنا موسى عليه السلام مع فرعون، وغيرها.
* وقد يكون من الحِكَم في ذلك: تواصل الشريعة وعدم اندراسها في فترة معينة، فتستمر الدعوة إلى منهج الله جلّت ذاته، كما هو الحال في عصر سيّدنا داود وسيّدنا سليمان عليهما الصلاة والسلام، أو كما هو الحال في عصر سيّدنا زكريا وسيّدنا يحيى وسيّدنا عيسى عليهم الصلاة والسلام، وعلى حضرة خير الأنام سيّدنا محمد أفضل الصلاة وأتمّ السلام وآله وصحبه الكرام.
فقد كان عهد سيّدنا زكريا وسيّدنا يحيى، قريبا بعهد سيّدنا عيسى عليهم الصلاة والسلام؛ يدلّ على ذلك قوله عزّ وجلّ في قصّة سيّدتنا مريم عليها السلام:-
{وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} [سورة آل عمران عليهم السلام: 37].
وقد ورد أنّ سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه قال:-
(إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهِنَّ، وَيَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهِنَّ، فَكَأَنَّهُ أَبْطَأَ بِهِنَّ، فَأَتَاهُ عِيسَى فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ تَعْمَلَ بِهِنَّ، وَيَأْمُرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهِنَّ، فَإِمَّا أَنْ تُخْبِرَهُمْ، وَإِمَّا أَنْ أُخْبِرَهُمْ، فَقَالَ: يَا أَخِي، لَا تَفْعَلْ، فَإِنِّي أَخَافُ إنْ سَبَقْتَنِيَ بِهِنَّ أَنْ يُخْسَفَ بِي، أَوْ أُعَذَّبَ —) الإمام الترمذي رحمه ربّنا العليّ.
* أنّ وسائل التواصل ووسائط النقل لم تكن متوفرة في ذلك الوقت، فوجود نبيّ في منطقة ما لا يكفي لتبليغ دعوته إلى المناطق الأخرى البعيدة، فقد يُبعث وينتقل إلى الدار الآخرة ولا يعلم به من أهل زمانه إلا مَنْ كان معه، والمناطق المجاورة له، أمّا البعيدة فلا، فاحتُيْجَ إلى بعثة غيره لتصلهم الدعوة، وهذه العلّة انتفت ببعثة سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه، لأسباب، منها:-
1- أنّ القبائل العربية المنتشرة في أرض الجزيرة وإنْ كانت بعضها متباعدة إلا أنّ الروابط الاجتماعية والقبلية التي بينهم تقرّب البعيد، هذا بالإضافة إلى تقارب العادات والتقاليد والأعراف وغيرها من الأشياء التي تزيد من صلة بعضهم ببعض وتزيل العقبات.
2- أنّ المسجد الحرام بهيبته ومكانته كان يجمع أكثر شعوب الأرض في المواسم، فكانت الفرصة مواتية للتعرّف والتواصل مع النبيّ المبعوث سيّدنا محمد صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم.
3- سبق في علم الله عزّ وجلّ أنّ العالم مقبل على حالة من التطوّر والتقدّم حتى يبدو كأنّه قرية صغيرة، وبالتالي لم تبق حاجة لتعدّد الأنبياء لزوال الأسباب الداعية لذلك.
* لمّا أراد الله جلّ في علاه أنْ يبيّن ويبرّز درّة صدفة الوجود سيّدنا محمّدا صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم جعل الأنبياء الذين قبله عليهم السلام يتعاصرون لأنّه لم يكُ عندهم كفاءة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام من الناحية الروحية والعلمية والإعجازية ليكون رسولا للعالمين ونبيّا للنّاس أجمعين.
نعم، فقد جرت سنّة الله جلّ وعلا بتفاضل الأنبياء بعضهم على بعض، قال عزّ من قائل:-
{تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ —} [البقرة: 253].
وقال:-
{— وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ —} [الإسراء: 55].
وفضّل سيّدنا محمّدا عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين، على سائر الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، وأعطاه من الخصائص والفضائل، والمزايا والشمائل ما لم يعطه لغيره، قال سبحانه:-
{— وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113].
وقال صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الحَمْدِ وَلَا فَخْرَ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمَ فَمَنْ سِوَاهُ إِلَّا تَحْتَ لِوَائِي، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ وَلَا فَخْرَ —) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ وعلا.
وَعَنْ سَيِّدِنَا جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ:-
(أَنَّ عُمَرَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّا نَسْمَعُ أَحَادِيثَ مِنَ الْيَهُودِ تُعْجِبُنَا أَفَتَرَى أَنْ نَكْتُبَ بَعْضَهَا؟ فَقَالَ: أَمُتَهَوِّكُونَ أَنْتُمْ كَمَا تَهَوَّكَتِ الْيَهُودُ والنَّصَارَى؟ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، وَلَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي) الإمام البيهقي رحمه الله عزّ وجلّ.
قوله: (أَمُتَهَوِّكُونَ) أَيْ: أَمُتَحَيِّرُونَ فِي دِينِكُمْ حَتَّى تَأْخُذُوا الْعِلْمَ مِنْ غَيْرِ كِتَابِكُمْ وَنَبِيِّكُمْ. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (1/263).
ورحم الله جلّ وعلا الإمام البوصيري إذ قال:
كَيْفَ تَـرْقَى رُقِـيَّـكَ الأَنْـبِـيَـاءُ *** يَا سَمَاءً مَا طَاوَلَتْهَا سَمَاءُ
لَمْ يُسَاوُوْكَ فِي عُلَاكَ وَقَدْ حَا *** لَ سَـنًـا مِنْكَ دُوْنَهُمْ وَسَنَاءُ
إِنَّـمَا مَـثَّـلُـوْا صِـفَـاتِـكَ لِـلْـنَّــا *** سِ كَمَا مَـثَّـلَ النُّجُوْمَ المَاءُ
ولمزيد من الفائدة أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (252، 1484، 1552، 1623، 1743، 1821) في هذا الموقع الكريم.
وصلِّ اللهمّ على حضرة خير الأنبياء وأمامهم، سيّدنا محمد درّة المرسلين وختامهم، وعلى إخوانه النبيّين صفوة الخلق وهداتهم، وعلى آله وصحبه ومَنْ سار على أقدامهم.
والله الحكيم، بخلقه أعلم، وبما يصلحهم