2020-04-25
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سيّدي حضرة الشيخ سعد الله أحمد عارف حفظه الله تعالى ورعاه.
سيّدي ما هو رأي الإمام الآلوسي رحمه الله تعالى وهو من خلفاء مولانا خالد رضي الله عنه وعنكم في (الرابطة الشريفة) من خلال تفسيره لسورة الجمعة ولكلمة (ويزكيهم) وهذا نص كلامه:
[وذكر بعضهم أنّ قوله تعالى: {وَيُزَكِّيهِمْ} بعد قوله سبحانه: {يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ} إشارة إلى الإفاضة القلبية بعد الإشارة إلى الإفادة القالية اللسانية، وقال بحصولها للأولياء المرشدين: فيزكّون مريديهم بإفاضة الأنوار على قلوبهم حتى تخلص قلوبهم وتزكو نفوسهم، وهو سرّ ما يقال له التوجّه عند السادة النقشبندية، وقالوا: بالرابطة ليتهيأ ببركتها القلب لما يفاض عليه، ولا أعلم لثبوت ذلك دليلا يعوّل عليه عن الشارع الأعظم صلّى الله تعالى عليه وسلّم، ولا عن خلفائه رضي الله تعالى عنهم، وكلّ ما يذكرونه في هذه المسألة ويعدّونه دليلا لا يخلو عن قادح بل أكثر تمسّكاتهم فيها تشبّه التمسّك بحبال القمر، ولولا خوف الإطناب لذكرتها مع ما فيها، ومع هذا لا أنكر بركة كلّ من الأمرين: التوجّه والرابطة، وقد شاهدت ذلك من فضل الله عزّ وجلّ، وأيضا لا أدّعي الجزم بعدم دليل في نفس الأمر، وفوق كلّ ذي علم عليم، ولعلّ أوّل مَنْ أرشد إليهما من السادة وجد فيهما ما يعوّل عليه، أو يقال: يكفي للعمل بمثل ذلك نحو ما تمسّك به بعض أجلة متأخريهم وإنْ كان للبحث فيه مجال ولأرباب القال في أمره مقال).
وجزاكم الله خيرا.
الاسم: سعد
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
حيّاكم الله سبحانه وبيّاكم وجعل الجنّة مثوانا ومثواكم.
لقد دعا الإسلام إلى استعمال الفكر والعقل في جميع أمور الدنيا والدين، والاهتداء إلى الحق الذي لا يقبل الله تعالى سواه، وإثبات استقلال الذات أو الشخصية، ولتحمّل مسؤولية الإنسان قراره في اختيار الطريق السوي أو المعوج، ومن أجل بناء الحياة الإنسانية وتقدّمها، وذلك في نصوص قرآنية كثيرة تدعو إلى تفعيل دور العلم في نواحي الكون، كقوله تعالى:-
{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 190].
وحريَّة الرأي في الحضارة الإسلامية حقَّ للفرد في اختيار الرأي الذي يراه في أمر من الأمور العامَّة أو الخاصَّة، وإبداء هذا الرأي وإسماعه للآخرين، ما لم يكن في ذلك اعتداءٌ على حقِّ الآخرين، حتى وإنْ كان ذلك في المعتقد؛ إذ للإنسان حرية في اختيار عقيدته الدينية، ولقد قامت دعوة الإسلام على احترام هذه الحرية وصونها، لكن لا مانع من الحوار أو النقاش أو الدعوى إلى الدين الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدل بالتي هي أحسن، قال ربّنا تبارك اسمه:-
{وَقُلِ الْحَقّ مِن رّبّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنّا أَعْتَدْنَا لِلظّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوجُوهَ بِئْسَ الشّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً} [الكهف: 29].
والقرآن الكريم مملوء بحرية التعبير بكلّ ما يذخر به المجتمع من آراء وأفكار، وما يثور فيه من جدل ونقاش، حول القيم الدينية ورسالات الأنبياء والحياة والموت ويوم القيامة.
والمتدّبر في آيات الكتاب العزيز يجد الحوار يستغرق معظم آياته؛ فهو تارة حوار الإنسان مع الإنسان كحوار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع أقوامهم، قال الحق جلّت ذاته:-
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ} [سورة البقرة: 258].
وتارة حوار بين الله تقدستّ ذاته وبين إبليس حيث قال ربّنا جلّ وعلا:-
{قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف: 12 – 17].
وتارة بين الله عظمت ذاته وبين ملائكته، قال عزّ وجلّ:-
{وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ} [سورة البقرة: 30].
ولم يحفل كتاب سماوي ولا أرضي بالتأكيد على التنوّع والتعدّد والاختلاف؛ وسيلةً للنمو والتطور والارتقاء، مثلما حفل القرآن الكريم، فالاختلاف في القرآن الكريم هدف من أهداف الخلق:-
{وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [سورة هود عليه السلام :118-119].
إذ أنّ التدافع بين الناس وسيلة للنمو والإصلاح ومن دونه تفسد الحياة وتتفسخ، قال ربّنا تبارك اسمه:-
{وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ} [سورة البقرة:251].
وهذا الاختلاف واقع بين الناس ضرورة؛ لِما بينهم من التفاوت في الإدراك والفهم، ولا يقع الذم على الاختلاف، بقدر ما يقع على السلوكيات السيئة الناتجة عن عدم التخلق بأدبه؛ كالظلم والبغي والرد للحق وهضم الخصم.
وقد اختلفت أمّ المؤمنين سيدتنا عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبيها مع سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله سبحانه عنهما في رؤية حضرة النبي صلّى الله تعالى عليه وصحبه وسلّم لربّه جلّت صفاته ليلة الإسراء، ومع ذلك لم يمنعهما هذا الاختلاف من التواصل والتراحم، فقد روى الإمام البخاري عليه الرحمة والرضوان:-
(أنّ عَائِشَةَ اشْتَكَتْ فَجَاءَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: يَا أُمَّ المُؤْمِنِيْنَ تَقْدُمِيْنَ عَلَى فَرَطِ صِدْقٍ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ، وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ).
وقد تمثّل السلف هذا الخُلق من بعدهم، قال يونس الصدفي رحمه الله سبحانه:-
(مَا رَأَيْتَ أَعْقَلَ مِنَ الشَّافِعِيّ؛ نَاظَرْتُهُ يَوْمًا فِي مَسْأَلَةٍ ثُمَّ افْتَرَقْنَا، وَلَقِيَنِي فَأَخَذَ بِيَدِي، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا مُوْسَى، أَلَا يَسْتَقِيْمُ أَنْ نَكُوْنَ إخْوَانًا، وَإِنْ لَمْ نَتَّفِقْ فِي مَسْأَلَةٍ؟!) سير أعلام النبلاء 8: 240.
فالمسلم لا يحتكر الحقيقة المطلقة عند طرح آرائه، فيجب احترام عقول الآخرين وقدراتهم.
وقد كان الإمام أحمد رحمه الله جلّ وعلا يرى أنّ خروج الدم ينقض الوضوء، ولكنّه لمّا سُئل:-
أَتُصَلِّي خَلْفَ رَجُلٍ احْتَجَمَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ، كَيْفَ لَا أُصَلِّي خَلْفَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَسَعِيْدِ بْنِ المُسَيِّبِ رَضِيَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُمَا.
مع الانتباه إلى أنّ موضوع الرابطة الشريفة اجتهادي قد تتعدّد فيه الأقوال كما ذكرت ذلك في كتابي الرابطة القلبية تحت مبحث: حكم الرابطة الشريفة ص85.
كما أرجو ملاحظة أنّ رأي الإمام الآلوسي رحمه الله تعالى واضح وهو جواز الرابطة الشريفة وثبوت تأثيرها عن مشاهدة وتجربة، لكن الإمام يناقش المسألة من حيث دلالة أدلّتها، ولم يزَل العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم يستدرك بعضهم على بعض ويتعقّب بعضهم بعضا، وهذا من الأمانة في العلم والتجرّد والإخلاص لله عزّ وجلّ، وقد قال الشيخ ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين وهو يشرح كتاب منازل السائرين لشيخ الإسلام إسماعيل الهروي رحمه ربّنا القويّ:-
(وَاللَّهُ يَشْكُرُ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ سَعْيَهُ، وَيُعْلِي دَرَجَتَهُ. وَيَجْزِيهِ أَفْضَلَ جَزَائِهِ. وَيَجْمَعُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فِي مَحَلِّ كَرَامَتِهِ. فَلَوْ وَجَدَ مُرِيدُهُ سِعَةً وَفُسْحَةً فِي تَرْكِ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ وَاعْتِرَاضِ كَلَامِهِ لَمَا فَعَلَ. كَيْفَ وَقَدْ نَفَعَهُ اللَّهُ بِكَلَامِهِ؟ وَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَجْلِسَ التِّلْمِيذِ مِنْ أُسْتَاذِهِ، وَهُوَ أَحَدُ مَنْ كَانَ عَلَى يَدَيْهِ فَتْحُهُ يَقَظَةً وَمَنَامًا؟ وَهَذَا غَايَةُ جُهْدِ الْمُقِلِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ عِلْمٍ فَلْيَجُدْ بِهِ، أَوْ فَلْيَعْذُرْ، وَلَا يُبَادِرُ إِلَى الْإِنْكَارِ، فَكَمْ بَيْنَ الْهُدْهُدِ وَنَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ؟ وَهُوَ يَقُولُ لَهُ: {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} [سورة النمل: 22]، وَلَيْسَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَعْلَمَ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ تعالى، وَلَا الْمُعْتَرِضُ عَلَيْهِ بِأَجْهَلَ مِنْ هُدْهُدٍ، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ وَهُوَ أَعْلَمُ) مدارج السالكين (2: 52).
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمد، وعلى آله وصحبه أهل المجد والسؤدد.
والله جلّت ذاته أعلم.