2020-04-29
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سيدي حضرة الشيخ:
يتردد بعض الأحيان قول إنّ صلاة التراويح صلاة فردية في الأصل، ولكن الأثر النبوي الشريف يدلّ أنّها شرعت في الأصل جماعة كما جاء في الصحيحين أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم (قام بأصحابه ثلاث ليال وفي الثالثة أو في الرابعة لم يُصلّ، وقال: إنّي خشيت أن تُفرض عليكم ) رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى (872)، وفي لفظ الإمام مسلم رحمه الله تعالى (ولكني خشيت أنْ تُفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها) (1271)، والمعروف لجنابكم الكريم أنّ السنن تصلّى فرادى ولو كانت أصل التراويح فردية لمنعهم عليه الصلاة والسلام من الاقتداء به، ولكنّه تركها خشية أنْ تفرض علينا، أرجو التفضل بتفصيل ذلك وجزاكم الله سبحانه خيراً .

الاسم: عبد السلام أحمد

الرد:
وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.
أهنئكم والمسلمين بحلول شهر رمضان المبارك، ورزقني الله جلّ وعلا وإيّاكم صيامه وقيامه على الوجه الذي يرضيه إنّه سبحانه سميع مجيب.
وبعد:
نعم صلاة التراويح فردية في الأصل، ولمعرفة تفصيل ذلك يرجى مراجعة جواب السؤالين المرقمين (570، 1567) في هذا الموقع الكريم.
أمّا قولك إنّ السنن تصلّى فرادى فهو ليس على إطلاقه، فالسنن والنوافل منها تصلّى جماعة، ومنها تصلّى فُرادى، وعلينا اتباع حضرة النبيّ صَلَّى اللهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ في أدائها، فما صلاها لوحده نصلّيها منفردين، وما صلاها جماعة في المسجد نصليها مجتمعين.
ومن فاتته صلاة مع الإمام يصلّيها منفرداً أو جماعة مع أهله، كما ورد عن أبي بكرِ بنِ سيّدنا أنَسِ بنِ مالكٍ رضي الله تعالى عنهما قال:-
(كَانَ أَنَسٌ إذَا فَاتَتْهُ صَلَاةُ العِيْدِ مَعَ الإمَامِ جَمَعَ أَهلَهُ فَصَلَّى بِهِمْ مِثْلَ صَلَاةِ الإِمَامِ فِي العِيْدِ) الإمام البيهقي رحمه الله عزّ وجلّ.
لكن يصلّيها من غير دعوة النّاس لتلك الجماعة الثانية، لأنّها قد تؤدي إلى إحداث فتنة أو فُرقة وتعدّد للجماعة، وهذا كلّه منهيٌّ عنه.
وقد صلّى نبيّنا الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم كثيرا من النوافل منفرداً في بيته ومسجده، عند إقامته وسفره، وربّما اقتدى به أحد من أهل بيته أو أصحابه كما ورد عَنْ سيّدنا عَبْدِ اللهِ بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، قَالَ:-
(صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ سَوْءٍ، قُلْنَا: وَمَا هَمَمْتَ؟ قَالَ: هَمَمْتَ أَنْ أَقْعُدَ وَأَذَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
فهذا الأثر وإنْ دلّ على جواز الاقتداء بالمتنفّل لكن بقي الأصل أنّها منفردة ولا يجوز أنْ يُدْعَى النّاس إليها في المساجد لتصلّى جماعة.
أمّا التراويح والوتر في رمضان، فقد صلّاهما سيّدنا النبيّ العدنان رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه أهل العرفان منفرداً وجماعة، وانعقد إجماع الصحابة الكرام زمن سيّدنا عمر رضي الله عنهم أجمعين في أدائها جماعة لسببين:-
الأوّل: زوال الخشية من أنْ تفرض على الأمّة.
الثاني: جمع المصلّين على إمام واحد بدل تفرقهم واختلافهم.
وما جمعهم سيّدنا عمر رضي الله تعالى عنه اجتهاداً منه بلا دليل، وإنّما كان الدليل أنّ سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين، صَلَّى بهم جماعة ثلاث ليال.
ولمّا كثر المعتمرون في أواخر القرن العشرين بسبب سهولة السفر وتيسّر أسبابه صدرت فتوى خاصّة للصلاة جماعة في الحرمين الشريفين لصلاة القيام في العشر الأخير من شهر رمضان لنفس السبب الثاني المذكور في التراويح، وهي فتوى خاصّة بالحرمين الشريفين، فلا تعمم على المساجد، فقد صلّى النبيّ صَلَّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ القيام وحده، وصلّى الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وعنكم وحدهم، ولم يجمعهم في مسجد أو جماعة وهو الأصل، قال ربّنا جلّ جلاله وعمّ نواله:-
{إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ —} [المزمل: 20].
وقولنا صلاة فردية أي أنّ الجماعة ليست من شروط صحّتها كما هو الحال في صلاة الجمعة فلا تصحّ إلا جماعة.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والله جلّ جلاله وعمّ نواله أعلم.