2020-05-04
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا سيّدة متزوجة ولديّ أطفال وزوج، الحمد لله، وأعمل مع الجالية العربية من القادمين الجدد لمساعدتهم على تعريف البلد وكيفية الإقامة فيها في بداية حياتهم. منذ سنة ونصف تعرّفت على سيّدة سورية أرملة ولديها أطفال، ولد ١٤سنة وبنت ١٢سنة، وكانت مريضة بالسرطان ولازمتها طول فترة مرضها حتى توفاها الله، وبقي أولادها قصّر وعاشوا مع أولاد عمّهم بعد وفاتها. وكانت الله يرحمها تحبني وتجد فيّ من الوفاء والإخلاص لها ولأولادها ولهذا أئتمنتني على أموالها وحاجاتها. وكانوا من الناس من يتبرّع لها بالأموال لها مباشرة أو يعطونياها لي لمساعدتها في محنتها، بعد أنْ توفّت جمعنا لها من الأموال ما يكفي لغسلها ودفنها وبقي عندي مبلغ من المال (حوالي أربعة الالاف دولار كندي) الصراحة لم أحسبه تماما، فسألت المحامي الذي كان مسؤولا عنهم أن يأخذ المبلغ فرفض لأنّه ليس من اختصاصه والأطفال قصّر لا أستطيع أنْ أسلّمه لهم ولا أستطيع أنْ أعطيه لأقربائهم خوفا من طمعهم فيه. سؤالي يا حضرة الشيخ الكريم: هذه الأموال ستبقى عندي لحين ما يصبح أعمار الأولاد والبنت السنّ القانوني بعد ثلاث سنوات بإذن الله، هل يجوز لي أنْ أستخدم جزء من هذه الفلوس لمساعدة النّاس في إقراضهم واسترجاعها إليّ بعد مدّة؟ بعد أنْ أكتب فيها وصية وأكون مسؤولة عنها وعن استرجاعها من المستدين؟ لأنّي عندي مشروع القرضة الحسنة لمساعدة مَنْ يكون لديه ديون في البنك وتخليصهم من الفوائد (الربا). آسفة جدا للإطالة وجزاكم الله كلّ خير.
 
الاسم: عربية
 
 
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، وجزاكم بمثله وزيادة.
أسأل الله عزّ وجلّ أنْ يرحم الأم ويأخذ بيد ولديها، ويجزيك والذين ساهموا في تخفيف المصاب خيراً على وفائكم وعملكم الصالح جميعا، ويكثّر من أمثالكم.
لا شكّ أنّ لرعاية اليتامى وكفالتهم أجراً عظيماً، وجاءت الوصية بهم في القرآن الكريم في عدّة مواضع، قال سبحانه:-
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [سورة البقرة: 220].
وقال عزّ شأنه:-
{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [سورة النساء: 36].
وقال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(أَنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وعلينا وفق هدايات الشرع الشريف أنْ نتصرّف مع مال المتوفّاة بأنْ نمضي وصيتها إنْ كانت لها وصيّة ضمن شروط الشريعة الغرّاء، ونقضي دينها إنْ كان عليها دَيْن لقوله جلّ وعلا:-
{— مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ —} [سورة النساء: 11].
ثمّ نستصدر قسّاماً شرعياً، وأمّا ما يتبقى للولد والبنت فلا يجوز التصّرف به لأنّه أمانة إلّا فيما ينمّيه بعد التأكّد من عدم المخاطرة وأخذ الاحتياط أكثر ممّا لو كان مالك أنت، أي لا يجوز لك إقراضه لأيّ شخص مهما كان ثقة لديك، ولكن لا  بأس بتنميته وذلك بأنْ تتفقي مع ثقة لتشغيل المال عنده فتحققي فائدتين:-
تنمية مال اليتيمين، وإفادة الشخص الذي سيشغل المال، وأدعو الله جلّ في علاه أنْ يجعل عملك مباركاً ومفرّجاً لهمومك كما جاء في الحديث الشريف:-
(انْطَلَقَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى أَوَوْا المَبِيتَ إِلَى غَارٍ، فَدَخَلُوهُ فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ، فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لاَ يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ، — وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ، فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي، فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ مِنَ الإِبِلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ وَالرَّقِيقِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لاَ تَسْتَهْزِئُ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي لاَ أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ، فَاسْتَاقَهُ، فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، فَخَرَجُوا يَمْشُونَ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ جلاله.
وأرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2290) في هذا الموقع المبارك.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على النبيّ المبارك سيّدنا محمد، وعلى آله وصحبه ما أشرقت شمس أو ليل تدارك.
والله جلّ جلاله أعلم.