2020-05-11
السؤال:
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته حضرة الشيخ الفاضل المبارك سعد الله أطال الله بعمركم ونفع بكم الأمّة.
سؤالي هو:-
سكنت أنا وعائلتي بيتا جديدا (إيجار وليس ملك) واكتشفت بمرور الوقت أنّ البيت مدفون به شخص منذ زمن بعيد يحيطنا عدم الراحة والخوف وكثرت المشاكل بالبيت ولا يتيسّر شيء أبدا، ونحن الآن لا نستطيع الانتقال لبيت آخر بسبب الوضع الحالي لوجود الوباء، ووجود الحظر في البيت، ما الواجب عليّ فعله؟ أفيدوني برد جزاكم الله خيرا وبارك لكم.
 
الاسم: سائلة
 
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أشكرك كثيرا على تواصلك مع هذا الموقع الكريم، ودعواتك الطيّبة، أسأل الله جلّ في علاه أنْ يوفقك لكلّ خير إنّه سبحانه ولي التوفيق.
لقد قدّر الله جلّ جلاله عليكِ هذا الظرف فاصبري واحتسبي وانظري إلى هذا الأمر بإيجابيّة ففي ذلك الأجر والعظة.
أمّا الأجر فتناليه بتطبيق ما أرشدت إليه نصوص الشرع الشريف في زيارة القبور، منها قوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
وكثرة الدعاء والاستغفار لصاحب القبر، وقراءة القرآن الكريم، وذكر الله سبحانه، والصلاة على حضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، مع ضرورة الانتباه لتجنّب الصلاة والمشي فوقه، أو الجلوس عليه.
وأمّا العبرة والعظة فقد بيّنه سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه إذ قال:-
(أَلَا إِنِّي قَدْ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ ثَلَاثٍ، ثُمَّ بَدَا لِي فِيهِنَّ: نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، ثُمَّ بَدَا لِي أَنَّهَا تُرِقُّ الْقَلْبَ، وَتُدْمِعُ الْعَيْنَ، وَتُذَكِّرُ الْآخِرَةَ، فَزُورُوهَا وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد عزّ شأنه.
فهي إذن تنفع الزائر بأنْ يراقب الله تعالى في أعماله، ويكون فعله أدعى للصلاح والمراقبة.
وقال:-
(مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلَّا وَالقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ) الإمام الترمذي رحمه الله عزّ شأنه.
وهذا يستدعي أنْ يكون المرء أكثر لله سبحانه خشية، وأشدّ له رهبة، فتقوى همّتُهُ في طاعة الله عزّ وجلّ، وقد كان بعض السلف رضي الله تعالى عنهم وعنكم يفعل ما لا يخطر على بال أحد حرصًا منهم على ترويض نفوسهم وتزكيتها وإرغامها على العمل الصالح:-
كَانَ الرَّبِيْعُ بْنُ خَيْثَم رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى قَدْ حَفَرَ فِي دَارِهِ قَبْرًا، فَكَانَ إِذَا وَجَدَ فِي قَلْبِهِ قَسَاوَةً دَخَلَ فِيْهَ فَاضْطَجَعَ وَمَكَثَ مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ يَقُوْلُ {— رَبِّ ارْجِعُون * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالحَاً فِيمَا تَرَكت —} [المؤمنون: 99 – 100]، يُرَدِّدُهَا ثُمَّ يَرُدُّ عَلَى نَفْسِهِ: يَا رَبِيْعُ قَدْ رَجَّعْتُكَ فَاعْمَلْ. إحياء علوم الدين (4/486).
وَأَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَى سَيِّدِنَا مُوْسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: اذْكُرْ أَنَّكَ سَاكِنُ القَبْر فَإِنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُكَ مِنْ كَثِيْرِ الشَّهَوَاتِ. إحياء علوم الدين (3/92).
ولمزيد فقه أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (1227، 1233، 1705، 2216) في هذا الموقع المبارك.
أمّا الشعور بعدم الارتياح فهذا ليس بسبب صاحب القبر لأنّه أفضى إلى ربّه جلّ وعلا، وهو في رحمته سبحانه، وما يجري عليك هو حالة نفسية، أو من تزيين الشيطان إذ يوسوس لك ليبعدك عن التقرّب إلى الله عزّ وجلّ، فاستعيذي بالله عزّ جاره القائل:-
{وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأعراف: 200].
ولا تنتبهي لوسوسته وحديث نفسك وانشغلي بالدعاء لك ولصاحب القبر وللمسلمين أحياء وأمواتا.
واعلمي أنّ الأرض مقبرة كبيرة وإنْ لم يُرَ للقبر أثرٌ، قال الحقّ سبحانه:-
{أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} [المرسلات: 25، 26].
ورحم الله تعالى أبا العلاء المعرّي إذ قال:
صَاحِ هَـذِي قُـبُـوْرُنَا تَمْلَأُ الـفَـلَا *** فَأَيْـنَ القُـبُـوْرُ مِنْ عَهْدِ عَادِ
خَـفَّـفِ الـوَطْءَ مَا أَظَـنُّ أَدِيْـمَ الـ *** أَرْضِ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الأَجْسَـادِ
فإذا لم تقدري على ذلك، فلكِ أنْ تستأجري بيتا آخر بعد أنْ يفرّج الله عزّ وجلّ هذه الشدّة بفضله ورحمته، ولا إثمَ عليكِ.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والله جلّ جلاله وعمّ نواله أعلم.