2020-05-13
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سيّدي وقرّة عيني أسأل الله عزّ وجلّ أنْ يمنّ عليكم بدوام الصحة والعافية، وأنْ يعلي قدركم في الدنيا والآخرة، وأنْ ينفعنا بكم سيّدي في الدارين مع الحبيب المحبوب سيّدنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه.
عفوا سيّدي حضرة الشيخ سؤال خادمكم عن مسألة فقيهة تخصّ المصلي إماما كان أو مأموما إذا نسي في صلاته السجدة الثانية من السجدتين حيث إنّه ظنّ في حاله أنّه سجدها ولكنّه قام إلى الركوع ثمّ تذكّرها قبل انتهاء صلاته؟
ومن جانب آخر إذا تذكّرها بعد انتهاء صلاته ماذا يفعل في هذه الحالة؟
وجزاكم الله تعالى عنا خير الجزاء.
الاسم: المحب للخير
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على تواصلكم الطيّب مع هذا الموقع المبارك، وعلى دعواتكم الصادقة، وأسأله جلّ شأنه لكم دوام الموفقية والسداد والترقّي، وبعد:-
لقد تعددت الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في هذه المسألة، فمنهم مَنْ قال ببطلان الركعة التي نُسي فيها سجودٌ، وعليه فما بعده من الركعات لغوٌ لا أثر له، فينبغي أنْ يأتي المصلّي بتلك الركعات جميعا، ويرجى لمزيد إفادة مراجعة جواب السؤالين المرقمين (429، 914) في هذا الموقع المبارك
وهناك رأي آخر مفاده:-
إذا نسي المُصلي سجدة بطلت الركعة التي ترك منها السجدة فقط، وقامت الثانية مقامها، فمتى ذكر يأتي بركعة بدل الركعة التي ترك منها السجدة، وسجد للسهو إذا كان إماماً.
أمّا إذا كان مأموماً فإنّه يقضي بعد تسليم إمامه، ويقوم فيأتي بركعة بدل التي ترك منها السجود، ويكفي ذلك، وتصحّ صلاته بإذنه عزّ وجلّ؛ لأنّه فاتته ركعة في المعنى بسبب السجدة التي تركها.
أمّا إنْ كان إماما أو منفردا فإنّه يأتي بركعة بدل الركعة التي ترك السجدة منها ويسجد للسهو بعد ذلك.
أمّا المأموم الذي نسي السجدة ولم يفطن لها إلا بعد ما قام إلى الركعة الثانية، وشرع في القراءة، فإنّه إذا سلّم إمامه يأتي بركعة بدل الركعة التي ترك منها السجود، فإنْ ذكرها حين قيامه رجع وسجدها وتمّت صلاته من غير حاجة إلى زيادة ركعة إذا تذكّرها في الحال حين قيامه إلى الركعة التي بعدها، أو بعد قيامه قبل الشروع في القراءة فإنّه يرجع ويأتي بالسجدة وتُجزؤه ركعته، لكن لو نسي واستمر النسيان فإنّه يأتي بركعة بعد ذلك، والأقرب إنّه يسجد للسهو؛ لأنّه صار كالمسبوق.
أمّا إذا تذكّر بعد ما قضيت الصلاة فإنّه يأتي بركعة إذا كان وقت التذكّر قصيراً ويسجد للسهو، لكن إذا طال الفصل عُرفاً بأنْ نسي وقام إلى عمل ما، أو لم يتذكّر إلا بعد ساعات فهذا من طول الفصل الذي يوجب عليه أنْ يعيد الصلاة كلّها.
وينبغي التنبيه بأنّ هذه الأحكام تخصّ من صدر منه السهو على نحو طبيعي غير متكرر أو مبالغ فيه، أمّا إذا تكرر السهو فلقد نصّ الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم على أنّ مَنْ يكثر منه الشكّ في الصلاة بحيث يصير وسواساً فعلاجه أنْ يعرض عن هذا الشك، وألّا يلتفت إليه، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله سبحانه:-
(إذَا كَثُرَ السَّهْوُ حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَ الْوَسْوَاسِ، لَهَا عَنْهُ) المغني (2/19).
لَهَا عنه: أي تركه ولم يلتفت إليه.
والمشهور عند السادة المالكية رضي الله تعالى عنهم وعنكم أنه يستحب له سجود السهو:
(مَنْ اسْتَنْكَحَهُ الشَّكُّ فِي الصَّلَاةِ -أَيْ دَاخَلَهُ وَكَثُرَ مِنْهُ- فَإِنَّهُ يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ وَيَلْهُو عَنْ الشَّكِّ، أَيْ فَلَا يُصْلِحُ مَا شَكَّ فِيهِ وَلَوْ شَكَّ فِي الْفَرَائِضِ) مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (2/19).
وقال بعض الفقهاء رضي الله سبحانه عنهم وعنكم:-
لا يشرع له السجود للسهو، بل يعرض عن الوساوس ويخرج من صلاته من غير سجود سهو؛ حتى يعافيه الله تعالى من هذا الداء:-
(وَ(لَا) يُشْرَعُ سُجُودُ السَّهْوِ (إذَا كَثُرَ) الشَّكُّ، (حَتَّى صَارَ كَوِسْوَاسٍ، فَيَطْرَحُهُ وَكَذَا) لَوْ كَثُرَ الشَّكُّ (فِي وُضُوءٍ وَغُسْلٍ وَإِزَالَةِ نَجَاسَةٍ)، وَتَيَمُّمٍ، فَيَطْرَحُهُ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ بِهِ إلَى نَوْعٍ مِنْ الْمُكَابَرَةِ، فَيُفْضِي إلَى زِيَادَةٍ فِي الصَّلَاةِ مَعَ تَيَقُّنِ إتْمَامِهَا، فَوَجَبَ إطْرَاحُهُ، وَاللَّهْوُ عَنْهُ لِذَلِكَ) مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى (1/507).
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على خير الأنام، ومصباح الظلام، سيّدنا محمد، وعلى آله وصحبه الهداة الأعلام.
والله جلّت قدرته أعلم.